هل يمكن للتفكير الإيجابي أن يحسن الشيخوخة؟ دراسة تكشف مفاجأة علمية

دراسة: نصف كبار السن تقريبًا قد يتحسنون صحيًا مع التقدم في العمر

يعتقد كثير من الناس أن التقدم في العمر يعني بالضرورة تدهورًا تدريجيًا في الجسد والعقل، حيث تضعف الذاكرة وتتراجع القدرة الحركية مع مرور السنوات.

غير أن دراسة علمية حديثة أجرتها جامعة ييل تشير إلى أن هذه الفكرة الشائعة قد تكون مضللة وغير دقيقة، بل وربما تسهم في حدوث التدهور الذي يخشاه الناس، فقد أظهرت الدراسة، التي اعتمدت على بيانات طويلة الأمد لآلاف كبار السن، أن نحو نصف الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا تحسنت حالتهم مع مرور الوقت، سواء في الوظائف الذهنية أو القدرة البدنية أو كليهما.

وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Geriatrics العلمية ، والمثير للاهتمام أن الأشخاص الأكثر عرضة لهذا التحسن لم يكونوا فقط أصحاب الصحة الممتازة، بل كانوا أيضًا الأشخاص الذين يحملون معتقدات إيجابية حول الشيخوخة.

الاعتقاد السائد حول الشيخوخة

الشيخوخة

تشير الدراسة إلى أن فكرة أن الشيخوخة تعني التدهور الحتمي متجذرة بعمق في الثقافة العامة.

فوفقًا لمسح عالمي استشهد به الباحثون، يعتقد 65% من العاملين في مجال الرعاية الصحية و80% من عامة الناس خطأً أن جميع كبار السن سيصابون بالخرف في نهاية المطاف.

وفي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع آخر أن 77% من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 40 عامًا أو أكثر يتوقعون أن تتدهور قدراتهم العقلية مع تقدمهم في العمر، هذه التوقعات لا تعكس فقط نظرة متشائمة، بل تمثل ما يمكن اعتباره افتراضًا ثقافيًا شائعًا حول الشيخوخة.

كيف تتشكل معتقدات الشيخوخة؟

قاد الدراسة الباحثة بيكا ليفي، أستاذة الصحة العامة في جامعة ييل، التي أمضت سنوات في دراسة كيفية تحول المواقف الثقافية تجاه الشيخوخة إلى معتقدات راسخة لدى الأفراد.

وتعتمد أبحاثها على نظرية تُعرف باسم “نظرية تجسد الصور النمطية”، والتي تفترض أن الناس يكتسبون أفكارهم عن الشيخوخة في سن مبكرة من خلال وسائل الإعلام والعائلة والمؤسسات الاجتماعية، ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الأفكار إلى نبوءة تحقق ذاتها، حيث تؤثر التوقعات السلبية في السلوك والصحة الفعلية.

متابعة الصحة العقلية والبدنية

اعتمد الباحثون على بيانات من دراسة أمريكية واسعة تُعرف باسم Health and Retirement Study، وهي دراسة وطنية تشمل أشخاصًا تبلغ أعمارهم 50 عامًا أو أكثر.

ولقياس معتقدات المشاركين حول الشيخوخة، استخدم الباحثون استبيانًا من خمسة أسئلة يقيس مواقفهم تجاه التقدم في العمر، مثل شعور الشخص بأنه يصبح أقل فائدة مع تقدمه في السن، أو مدى شعوره بالرضا في مراحل الحياة المتأخرة.

ثم تابع الباحثون مؤشرين أساسيين للصحة:

أولًا: الوظائف الإدراكية: تم قياسها عبر اختبار هاتفي مكون من 27 نقطة يقيس الذاكرة والاستدعاء والقدرات الحسابية الأساسية.

ثانيًا: القدرة البدنية: تم قياسها من خلال سرعة المشي لمسافة قصيرة تبلغ نحو 2.4 متر.

وتعد سرعة المشي مؤشرًا مهمًا للصحة، حيث ترتبط بمخاطر دخول المستشفى والإعاقة وحتى الوفاة، لدرجة أن بعض الأطباء يطلقون عليها “العلامة الحيوية السادسة”.

متابعة المشاركين لمدة 12 عامًا

– تابع الباحثون مجموعتين من المشاركين لمدة تصل إلى 12 عامًا

– مجموعة الوظائف الإدراكية شملت 11,314 شخصًا بمتوسط عمر 68 عامًا.

– مجموعة سرعة المشي شملت 4,638 شخصًا بمتوسط عمر 74 عامًا.

وكانت نسبة النساء في المجموعتين أكثر بقليل من النصف، وكان معظم المشاركين متزوجين وأكملوا التعليم الثانوي على الأقل.

نتائج لافتة حول التحسن مع التقدم في العمر

عند تحليل البيانات، وجد الباحثون أن 45.15% من المشاركين تحسنوا في الذاكرة أو سرعة المشي أو كليهما خلال فترة المتابعة.

كما أظهرت النتائج أن:

32% تحسنت قدراتهم الإدراكية

– 28% تحسنت سرعة المشي لديهم

وهذه النسب أعلى بكثير من المعيار الفيدرالي الأمريكي البالغ 11.5% الذي يُستخدم عادة كمؤشر مهم للتحسن الصحي لدى كبار السن.

المعتقدات الإيجابية تحدث فرقًا

أحد أهم نتائج الدراسة أن المعتقدات الإيجابية حول الشيخوخة كانت مؤشرًا قويًا للتحسن الصحي.

فحتى بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار عوامل عديدة مثل:

العمر والجنس

– العرق والتعليم

الاكتئاب واضطرابات النوم

أمراض القلب والسكري

– العزلة الاجتماعية

– الاستعداد الوراثي لمرض ألزهايمر

ظل الأشخاص الذين يحملون مواقف إيجابية تجاه الشيخوخة أكثر احتمالًا لتحقيق تحسن في صحتهم.

وهذا يشير إلى أن العلاقة ليست مجرد أن الأشخاص الأكثر صحة يشعرون بتفاؤل أكبر، بل إن المعتقد نفسه قد يؤثر في النتائج الصحية المستقبلية.

الشيخوخة ليست مسارًا واحدًا

تكشف الدراسة أيضًا أن الشيخوخة ليست عملية موحدة تؤثر في جميع جوانب الصحة في الوقت نفسه.

فقد أظهرت البيانات أن نحو 66% من الأشخاص الذين تحسنوا شهدوا تحسنًا في مجال واحد فقط، إما القدرات العقلية أو القدرة الحركية، وليس كليهما، وهذا يعني أن التقدم في العمر قد يكون غير متوازن، وقد يتضمن أحيانًا تحسنًا في بعض الجوانب بدلًا من التراجع في جميعها.

ملايين كبار السن قد يتحسنون

يقدّر الباحثون أنه إذا تم تعميم هذه النتائج على سكان الولايات المتحدة بالكامل، فقد يكون أكثر من 26 مليون أمريكي من كبار السن يشهدون تحسنًا قابلًا للقياس في أحد جوانب صحتهم.

ولا يعني ذلك أن الشيخوخة خالية من التحديات أو أن التفكير الإيجابي يمكنه علاج الأمراض، لكن النتائج تشير إلى حقيقة مهمة: التدهور الحتمي ليس قانونًا طبيعيًا ثابتًا، بل قد يكون جزئيًا نتاجًا لمعتقدات ثقافية راسخة.

Exit mobile version