تشير دراسة جديدة إلى أن حضارة سومر، التي ازدهرت قبل نحو خمسة آلاف عام في جنوب العراق، ربما بدأت بفضل ظاهرة طبيعية بسيطة: المدّ والجزر.
فبينما اعتقدت الروايات التاريخية التقليدية أن نشوء المدن الأولى مثل أور وأوروك ولاجش جاء نتيجة مشروعات ريّ ضخمة نظّمتها حكومات مركزية، يطرح فريق من العلماء فرضية جديدة أكثر بساطة.
وفقًا للباحث ريد جودمان من جامعة كليمسون الأمريكية، فإن المدّ اليومي لنهرَي دجلة والفرات، قبل آلاف السنين، قد وفر مصدرًا طبيعيًا للمياه استخدمه السكان الأوائل لريّ محاصيلهم دون حاجة إلى أنظمة معقدة.
استندت الدراسة، المنشورة في دورية PLOS ONE، إلى تحليل نواة تربة بطول 25 مترًا أُخذت من موقع مدينة لاجش السومرية بالقرب من مدينة الناصرية الحديثة.
وقد أظهرت الطبقات السفلى وجود أصداف بحرية ورواسب دلتاوية، تؤكد أن المنطقة كانت أقرب إلى الساحل مما هي عليه اليوم.
المدّ والجزر في الخليج الفارسي القديم
ويرى الباحث ليفي جيوسان من معهد وودز هول لعلوم المحيطات بالولايات المتحدة الأمريكية، أن المدّ والجزر في الخليج الفارسي القديم كانا كفيلين بدفع المياه العذبة إلى أعلى النهر مرتين يوميًا، ما مكّن المزارعين الأوائل من تحويلها بسهولة لريّ الحقول والبساتين.
وتقول عالمة الآثار جينيفر بورنيل، إن هذه النتائج تُعيد صياغة مفهوم “الثورة الحضرية”؛ إذ لم تنشأ المدن نتيجة مشروعات مركزية ضخمة، بل من مبادرات محلية اعتمدت على الظواهر الطبيعية في وادي الرافدين.
ومع تراكم الطمي وتبدل مسار الأنهار، تقلص تأثير المدّ تدريجيًا، ما دفع السكان إلى تطوير شبكات ريّ اصطناعية متقدمة للحفاظ على استقرارهم الزراعي.
ومن هنا، برزت أولى الدول المنظمة التي قادها ملوك سومريون سعوا لبناء القنوات وتخزين المياه.
الجدل حول الدراسة
لكن الدراسة ما زالت تثير الجدل؛ فبعض الباحثين، مثل ستيفاني روست من جامعة نيويورك، ترى أن أنظمة الريّ البسيطة كانت كافية لدعم المجتمعات الأولى دون الحاجة إلى تفسير يعتمد على المدّ والجزر.
كما يشير الجيولوجي العراقي جعفر جاثّر إلى أن خلط المياه المالحة بالعذبة قد جعل الزراعة أكثر تعقيدًا مما توحي به الدراسة.
ورغم الجدل، يتفق العلماء على أن الفرضية الجديدة تفتح أفقًا مختلفًا لفهم بدايات أقدم حضارة عرفها الإنسان، وتُبرز عبقرية الإنسان السومري في استثمار الطبيعة لصنع التاريخ.
الأدلة الأساسية والمنهجية العلمية (ماذا فعل الباحثون؟)
- نواة تربة عميقة من موقع لاجش (Lagash / Tell al-Hiba) : أخذ الفريق نواة تربة بطول يمتد إلى عشرات الأمتار (ذكر البحث نواة بطول 25 م في التغطية الصحفية)، سمحت بتسجيل أكثر من 7 آلاف سنة من الترسيب والبيئة المحيطة بالموقع.
هذه النواة احتوت طبقات دلتاوية وأصداف بحرية في مستويات قديمة، ما يؤكد قربًا ساحليًا للموقع في فترات سابقة.
- القياسات الجيوكيميائية والموارد الأثرية المدمجة: حلّل الفريق مؤشرات بيولوجية وجيوكيميائية (موجودة في النواة) مع البيانات الأثرية من الحفريات الحديثة في لاجش؛ الهدف دمج السجل البيئي مع السجل الثقافي لتفسير العلاقة الزمانية بين التغيرات البيئة ونمط الاستيطان.
- نمذجة الميكانزمات المدّية-النهريّة: استخدمت الدراسة نماذج هيدروديناميكية ومجسّمات لبيئة الخليج الفارسي القديمة لتبيان كيف أن المدّ في مصبات ضحلة ونحوّة تضييق قنوات المدّ كان قادرًا على رفع المياه العذبة فوق مياه المدّ المالحة، مما يتيح «نظامًا موثوقًا» لرفع المياه وريّ الأرض مرتين يوميًا دون الحاجة إلى بنى ضخمة.
- أهمية المنهجية: الجمع بين الأدلة الطبقية (stratigraphy) والبيولوجية (مؤشرات الأصداف والملوحة) والنمذجة يمثل نهجًا تعدديًا يعطي ثقلًا بَيِّنًا للافتراض الجديد مقارنةً بالاعتماد على مصدر أدبي أو حفري واحد فقط.
ماذا تعني «الريّ المدّي» عمليًا؟ — تفسير مبسّط للتقنية الطبيعية
الفكرة الأساسية ليست أن المزارعين «اختلقوا مدًّا» بل أن بيئة مصبّية ضحلة مع مدّ بحريٍّ قويّ كلّ يومين، في تهيئة جيّدة، تسمح بدفع مياه مالحة إلى قاع المجرى بينما ترتفع المياه العذبة بطبقة فوقية إلى أعلى النهر.
عبر تحويل خفيف لمسار الماء أو بناء قنوات سطحية بسيطة، يمكن لسكان الضفة التقاط المياه العذبة الموسمية أو اليومية لريّ حِمَلات بسيطة من القمح والنخيل والخضار.
هذا يختلف عن فكرة «القناة الملكية الضخمة» التي تحتاج إلى تخطيط مركزي مُدبَّر.
دلالات أثرية وسوسيو-سياسية: كيف يؤدي الريّ المدّي إلى مدينة؟
- زيادة موثوقة في الإنتاج: الوصول اليومي أو شبه اليومي إلى ماء سهل يعني سقفًا أعلى للغلات الزراعية، ومخزون طعام أكبر يسمح بتكدّس سكاني.
- تنوع الأعمال والاختصاصات: مع فائض غذائي، تتفرع علاقات اقتصادية، حرفيون، صناعات فخارية، تجارة داخلية، مما يعزّز تكتلات سكانية دائمة، (ملاحظات من أعمال التنقيب في لاجش تُظهر مناطق إنتاج وتخزين وحرف متقدمة).
- التحول من نظم مرنة إلى مؤسسات دائمة: عندما تبدأ البيئة بانحسار المدّ (بسبب تراكم الطمي وتغير مسارات الأنهار) يصبح الحفاظ على الخصوصية الإنتاجية سببًا للابتكار الهندسي (قنوات تخزين، سدود صغيرة، بُنى إدارية لتوزيع المياه)، ما يمهّد لظهور سلطات مركزية أو مؤسسات تنظيمية أكبر.
بهذه الرؤية، المدن ليست نتيجة لمحاكمة واحدة من أعلى للأسفل، بل استجابة متدرجة لضغوط بيئية واجتماعية.
نقاط القوة في الحجة العلمية
سجل طبقي طويل ومباشر من موقع أثري فعلي (لاجش) يربط بين تغيّر البيئة والتتابعات الثقافية، هذا عنصر نادر وقوي.
التكامل بين أدوات متعددة: بيانات نواة، تحليلات جيوكيميائية، نمذجة هيدروديناميكية، وبيانات أثرية حديثة تُعطي plausible mechanism للريّ المبكّر.
الاعتراضات والقيود – لماذا لا يختم الأمر؟
- قابلية التعميم من موقع واحد: كما ذكر بعض النقّاد، استنتاج ظاهرة إقليمية كبرى من نواة موقع واحد محفوف بالمخاطرة؛ تضاريس دلتاوية يمكن أن تختلف بسرعة على مسافات قصيرة. استنتاجات إقليمية تحتاج أنماطًا متكررة من مواقع متفرقة.
- مزيج الماء المالح والعذب (الملوحة): التحدّي العملي الذي أشير إليه من قبل جيولوجيين محليين هو أن الخلط بين البحر والمياه العذبة قد يؤدي إلى مياه «مُلحّبة-قابلة للضرر» مما يصعّب الإنتاج الزراعي دون تدابير تنقية أو إدارة للتملح. دراسة التجارب الحقلية الدقيقة حول ملوحة الجذور ومعدلات الملوحة اليومية لا تزال محدودة.
- البدائل التفسيرية: باحثون آخرون يشدّدون على أن ثروات الأراضي الرطبة ذاتها (صيد الأسماك، نباتات المياه، مصايد ملحية) وربما مسارات تجارية مبكّرة قد تكون كافية لتجميع السكان وتجريب أنماط المعيشة الحضرية دون الحاجة لتفسير مدّي حصري.
توصيات بحثية مستقبلية (ما الذي ينبغي دراسته لاحقًا؟)
- استطلاعات طبقية ونواتية في مواقع متعددة على طول الحافة الجنوبية والشرقية لشبه الجزيرة العربية وأحواض الأنهار المتفرعة للتحقق من تكرارية نمط المدّ المدعوم بالمعلومات والأدلة.
- تحاليل ملحية دقيقة ومختبرية لتحديد حدود الملوحة المقبولة لأنواع محاصيل العصر النيوليثي/البرونزي المبكرة، وتجارب إعادة إنشاء تجريبية (experimental archaeology) لنماذج ريّ مدّي مبسّطة.
- دمج بيانات المناخ/المدّ التاريخي مع قياسات ترسيب الطمي لعمل أطلس زماني يبيّن متى وكيف تلاشت نافذة الريّ المدّي في أجزاء مختلفة من دلتا الرافدين.
