يشهد شهر رمضان زيادة ملحوظة في هدر الطعام، سواء في المطاعم خلال وجبات الإفطار أو على مستوى الأفراد في المنازل.
ورغم أن الشهر يقوم على قيم الاعتدال والامتنان والانضباط، إلا أن أنماط الاستهلاك المكثف تؤدي غالبًا إلى فائض كبير من الطعام المهدر، مع ما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية وبيئية واجتماعية.
لماذا يرتفع هدر الطعام في رمضان؟
في المطاعم، خاصة خلال خدمة الإفطار (Iftar)، ترتفع معدلات الهدر بسبب:
- البوفيهات المفتوحة التي تتطلب عرض كميات كبيرة من الطعام.
- صعوبة التنبؤ الدقيقة بأعداد الضيوف.
- النوافذ الزمنية القصيرة والمكثفة للخدمة.
- تنوع الأطباق الكبير.
- تحضير كميات احتياطية “تحسبًا” لنفاد الأصناف.
أما على مستوى الأسر، فتزداد الكميات المطهية بدافع الكرم والعادات الاجتماعية، ما يؤدي إلى فائض لا يُستهلك.
التكلفة الحقيقية لهدر الطعام
هدر الطعام ليس مجرد مسألة أخلاقية، بل له تبعات مباشرة:
– اقتصاديًا: في تونس يُهدر يوميًا نحو 900 ألف قطعة خبز، أي ما يعادل قرابة 100 ألف دولار، كما يُهدر ثلث الطعام المطبوخ تقريبًا بقيمة تقديرية تصل إلى 200 ألف دولار يوميًا، في وقت يعاني فيه مئات الآلاف من سوء التغذية.
– بيئيًا: يمثل هدر الطعام نحو 8٪ من الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، إضافة إلى هدر المياه والطاقة والموارد الزراعية المستخدمة في الإنتاج.
– تشغيليًا (في المطاعم): ارتفاع تكاليف جمع النفايات، الروائح الكريهة، مخاطر الآفات، وضغوط إضافية على فرق العمل.
كيف يمكن للمطاعم تقليل هدر إفطار رمضان؟
1. التخطيط الذكي للكميات
• مراجعة بيانات الأسابيع السابقة للتنبؤ بالطلب.
• تقليل تحضير “الكميات الاحتياطية” غير الضرورية.
• تعديل أحجام الحصص وفق أنماط الاستهلاك الفعلية.
2. إدارة البوفيه بكفاءة
• إعادة التعبئة بكميات أصغر وعلى فترات متقاربة.
• تقليل تعبئة الأطباق في الدقائق الأخيرة من الخدمة.
• التركيز على الأطباق الأكثر طلبًا.
3- فصل نفايات الطعام عند المصدر
• توفير حاويات مخصصة لبقايا الطعام في مناطق التحضير والتقديم.
• تدريب الموظفين على عدم خلطها مع النفايات العامة.
• مراقبة مستوى الامتلاء لتفادي الفيضانات.
4- التخزين الآمن ومنع التلف
• الالتزام بحدود الوقت ودرجة الحرارة.
• تنظيم المخازن لتفادي تكدس المواد.
• التخلص الآمن من الطعام غير الصالح.
5- إعادة التوظيف والتبرع
• ابتكار وصفات جديدة من الفائض الصالح.
• التعاون مع جمعيات وبنوك طعام محلية لإعادة توزيع الطعام الآمن.
• اعتماد مبادرات “الإفطار الأخضر” بإدخال خيارات نباتية تقلل البصمة البيئية.
مبادرات “رمضان الأخضر” حول العالم
– في جاكرتا، اعتمد مسجد الاستقلال مسجد الاستقلال أكثر من 500 لوحة شمسية لتوليد الطاقة النظيفة، وشجع على “وقف الطاقة” خلال رمضان لدعم مشاريع الطاقة المتجددة.
– في بريستول بالمملكة المتحدة، تقود منظمة Projects Against Plastic حملة “رمضان بلا بلاستيك” لتقليل استخدام الأدوات ذات الاستعمال الواحد في المساجد.
– كما تنشط مبادرة Zero Waste Tunisia منذ 2018 في التوعية بمخاطر هدر الطعام في تونس عبر حملات رقمية وإعلامية، وتسليط الضوء على أرقام صادمة وتشجيع حلول عملية مستمدة من التراث الغذائي المحلي.
رمضان فرصة للتغيير
رمضان ليس فقط شهر صيام، بل شهر مراجعة للعادات. ويمكن تحويله إلى موسم لتغيير سلوكيات الاستهلاك عبر:
- الطهي وفق الحاجة الفعلية.
- حفظ بقايا الطعام بطريقة آمنة.
- مشاركة الفائض مع المحتاجين.
- اختيار منتجات محلية وموسمية.
- تقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستعمال.
تقليل هدر الطعام في رمضان لا يتطلب حلولًا معقدة، بل وعيًا جماعيًا والتزامًا بسيطًا بالعادات الرشيدة.
عندما نُحسن إدارة طعامنا، فإننا نحمي بيئتنا، وندعم مجتمعاتنا، ونجسد فعليًا قيم الامتنان والانضباط التي يدعو إليها هذا الشهر الكريم.
