تنتشر التهديدات الصحية العامة غالبًا بصمت قبل أن يلاحظها أحد. فبحلول الوقت الذي تسجل فيه العيادات زيادة في أعداد الحالات، يكون الفيروس قد بدأ بالفعل في الانتشار داخل المجتمع. وتسعى إنجلترا إلى سد هذه الفجوة من خلال الاعتماد على مياه الصرف الصحي كأداة إنذار مبكر.
تعمل السلطات الصحية على توسيع نطاق اختبارات الصرف الصحي على مستوى البلاد، لاستخدام مياه المجاري في اكتشاف تفشي الفيروسات في وقت مبكر، ما يمنح الجهات المعنية فرصة أكبر للاستجابة السريعة.
وسيراقب النظام الجديد الآثار الجينية لـ11 ممرضًا عالي الخطورة في محطات معالجة المياه، ليقدم إنذارًا صحيًا على مستوى المجتمع قبل أن تشهد المستشفيات ضغطًا متزايدًا.
ويقود هذا الجهد جهاز الأمن الصحي البريطاني (UKHSA)، مستفيدًا من الدروس المستخلصة خلال جائحة «كوفيد-19»، حيث أظهرت مراقبة مياه الصرف ارتفاع معدلات الإصابة حتى مع تراجع الاختبارات المنزلية والإبلاغ الرسمي، فكل عملية استخدام للمرافق الصحية تضيف بيانات مجهولة المصدر، ما يحول البنية التحتية المشتركة إلى أداة منخفضة التكلفة لرصد الصحة العامة.
وبدلًا من مراقبة فيروس واحد فقط، تسعى إنجلترا الآن إلى إنشاء نظام إنذار مبكر شامل قادر على اكتشاف التهديدات النادرة بسرعة أكبر، وتوجيه استجابات أكثر هدوءًا وفعالية.
كيف تكشف مياه الصرف عن تفشي الفيروسات؟
يشير مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أن بيانات الصرف الصحي تمثل إنذارًا مبكرًا عند ارتفاع معدلات الإصابة، حتى قبل ظهور الأعراض. فالممرضات، وهي الجراثيم التي قد تسبب المرض، تترك أجزاءً من مادتها الوراثية في البول والبراز.
وبما أن العينات تجمع مساهمات آلاف الأفراد، فإن النتائج تعكس حالة المجتمع ككل، دون تشخيص شخص بعينه. وتوفر محطات المعالجة الكبيرة رؤية شاملة، بينما يسمح أخذ العينات من نقاط أقرب، مثل مبنى واحد، بتحديد التغيرات في موقع محدد.
رصد الإصابات قبل تضاعفها
تعتمد الإحصاءات السريرية على من يطلب الفحص وتوقيت تقارير المختبرات، ما يجعلها عرضة لفقدان حالات الانتشار الصامت. ويساعد تحديد مناطق تجميع الصرف الصحي في تفسير أسباب ارتفاع الإصابات في حي معين دون غيره.
وعندما تشير اتجاهات الصرف الصحي إلى زيادة في الفيروسات، يمكن للخدمات الصحية الاستعداد مبكرًا من حيث الطواقم والإمدادات، حتى قبل ارتفاع معدلات دخول المستشفيات.
نتائج دراسات سابقة
تابعت دراسة بريطانية مياه الصرف في خمسة مواقع، من بينها مكتب، ومتحف، ودار رعاية سكنية، حيث أجرى الباحثون 153 اختبارًا معمليًا، واكتشفوا الفيروس المسبب لـ«كوفيد-19» في 22% من العينات.
وأظهرت النتائج توافقًا أكبر مع الاتجاهات الوطنية كلما زاد عدد السكان المرتبطين بنقطة أخذ العينة، ما يوضح أهمية المراقبة القريبة من المصدر لرصد التغيرات في التجمعات الصغيرة.
حدود التقنية وأهميتها
ورغم أهمية هذه البيانات، فإن مياه الأمطار والتصريف الصناعي قد تؤدي إلى تخفيف الإشارات، كما أن وجود شظايا وراثية لا يعني بالضرورة انتشار عدوى نشطة. لذا يتعامل الخبراء مع النتائج باعتبارها مؤشرات إرشادية لا أحكامًا نهائية.
وتخلص الدراسة، المنشورة في دورية PLOS، إلى أن نجاح هذه الأنظمة يعتمد على سرعة تحليل البيانات، وتكرار أخذ العينات، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الإشارات غير المعتادة، مع مراعاة الخصوصية وبناء الثقة المجتمعية.
