نباتات المدن تتعافى من الإجهاد المناخي أسرع من الريف

من القاهرة إلى فينيكس.. لماذا تتعافى نباتات المدن أسرع من النباتات الريفية؟

رغم أن المدن تُعرف بارتفاع درجات الحرارة وقلة المساحات المفتوحة مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة بها، تكشف دراسة جديدة مفارقة لافتة: النباتات داخل العديد من المدن الكبرى تتعافى من آثار موجات الحرارة والجفاف بسرعة أكبر من النباتات الموجودة في المناطق الريفية.

وأظهر تحليل لبيانات الأقمار الصناعية من 751 مدينة كبرى في 109 دول، أن النباتات في المناطق الحضرية تعافت من الإجهاد المناخي بصورة أسرع من النباتات الريفية في نحو 78% من المدن وفق بيانات القمر الصناعي لاندسات، بينما ارتفعت النسبة إلى 91% وفق بيانات منظومة موديس.

وأشارت النتائج إلى أن الفارق في قدرة النباتات الحضرية على التعافي اتسع خلال الفترة من 2001 إلى 2022، بينما تراجعت قدرة النباتات الريفية على التعافي تدريجيًا، خاصة في المناطق الجافة.

ونُشرت الدراسة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).

ويرى الباحثون، أن أحد أهم التفسيرات المحتملة لهذه المفارقة هو الري الإضافي الذي تحصل عليه النباتات داخل المدن، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بإدارة المساحات الخضراء وبنية الأشجار.

تعافى نباتات المدن أسرع من النباتات الريفية

الأقمار الصناعية ترصد مرونة النباتات

قاد الدراسة تشنجفي قوه، وجين وو، ويويو تشو، إلى جانب باحثين آخرين من جامعة هونغ كونغ، واعتمد الفريق على سجلات الأقمار الصناعية بدلًا من المراقبة المباشرة للأشجار والنباتات.

واستخدم الباحثون مصدرين مستقلين للبيانات للتحقق من النتائج، فبيانات MODIS تغطي مساحات يبلغ عرضها نحو 500 متر، بينما توفر أقمار Landsat بيانات بدقة أعلى، تصل إلى نحو 30 مترًا.

وشملت الدراسة المدن التي تزيد مساحتها على 100 كيلومتر مربع، وقسم الباحثون كل مدينة إلى نواة حضرية قديمة تعود حدودها إلى عام 1990، ومناطق توسع عمراني أضيفت حتى عام 2018، مع تحديد نطاق ريفي يمتد لمسافة تصل إلى نحو 15 كيلومترًا خارج المناطق الحضرية للمقارنة.

واستبعد الباحثون المناطق التي زادت فيها مساحة الأسطح المرصوفة بمرور الوقت، وكذلك المناطق التي تغطي فيها الأراضي الزراعية أكثر من 20% من المساحة، حتى تتركز المقارنة على المناطق النباتية التي ظلت موجودة خلال فترة الدراسة.

تتعافى نباتات المدن أسرع من النباتات الريفية

كيف قاس الباحثون قدرة النباتات على التعافي؟

اعتمد الفريق على التغير في مستوى اخضرار الغطاء النباتي الذي ترصده الأقمار الصناعية.

فعندما ينخفض اخضرار النباتات عن مستواه المعتاد نتيجة موجة حرارة أو جفاف أو ظروف مناخية أخرى، يمكن قياس المدة التي تستغرقها النباتات للعودة نحو حالتها المعتادة.

وقبل حساب سرعة التعافي، فصل الباحثون التأثيرات التي يمكن تفسيرها بدرجات الحرارة والأمطار وأشعة الشمس خلال كل فترة، بهدف عدم الخلط بين تأثير الظروف المناخية المباشرة وبين قدرة النباتات على التعافي.

وفي علم البيئة، يُستخدم معدل التعافي بعد التعرض للإجهاد كأحد مؤشرات المرونة البيئية؛ فكلما قصرت فترة التعافي، دل ذلك على قدرة أكبر على استعادة الحالة السابقة.

تعافى نباتات المدن أسرع من النباتات الريفية

النباتات الحضرية تتعافى أسرع

أظهرت النتائج أن نباتات المناطق المركزية في المدن كانت الأسرع في التعافي، تلتها النباتات الموجودة في أطراف التوسع الحضري، بينما كانت النباتات الريفية الأبطأ في استعادة حالتها.

وبحسب بيانات لاندسات، تفوقت النباتات الحضرية على النباتات الريفية في القدرة على التعافي في 78% من المدن، بينما أظهرت بيانات موديس تفوقًا في 91% من المدن.

واستمر هذا التفوق بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار نسبة الغطاء النباتي داخل كل منطقة، وكذلك ما إذا كان الغطاء يتكون بصورة أساسية من الأشجار أو الأعشاب.

وتشير النتائج إلى أن الفارق لا يمكن تفسيره ببساطة بوجود خليط مختلف من النباتات والمباني داخل المناطق الحضرية.

المناخ يحدد حجم الميزة الحضرية

لم تكن قدرة النباتات على التعافي متساوية في جميع المدن، ففي المناطق الجافة، بما فيها مناطق من البحر المتوسط، كان تعافي النباتات الحضرية أبطأ من نظيرتها في المناطق الأكثر رطوبة، مثل شمال أوروبا وشرق الصين.

لكن المفارقة أن الفارق بين النباتات الحضرية والريفية كان أكبر في المناطق الحارة والجافة، ومنها أجزاء من أفريقيا وأستراليا وجنوب غرب أمريكا الشمالية.

ووصلت الميزة الحضرية إلى أقصى مستوياتها في المناطق التي يبلغ متوسط درجات الحرارة السنوية فيها نحو 25 درجة مئوية، ويتراوح معدل هطول الأمطار السنوي فيها بين 100 و500 مليمتر.

وتوضح المقارنة بين المدن أن الفارق كان كبيرًا في فينيكس، ذات المناخ الحار والجاف، مقارنة بأتلانتا الأكثر رطوبة.

تعافى نباتات المدن أسرع من النباتات الريفية

صمود النباتات الحضرية تحسن مقارنة بالريف

قد يبدو حجم الفارق صغيرًا عند التعبير عنه بالوقت؛ إذ قدر الباحثون متوسط الميزة الحضرية في تقصير فترة التعافي بنحو 0.09 شهر، أي أقل من ثلاثة أيام.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذا الرقم يتعلق بالتغيرات الشهرية في مستوى اخضرار النباتات، وليس بالمدة اللازمة لتعافي النباتات بالكامل من كارثة أو اضطراب بيئي كبير.

والأهم أن الفارق بين المدن والمناطق الريفية اتسع خلال فترة الدراسة.

فبين عامي 2001 و2022، ازداد التفوق الحضري في 67% من المدن، وكان الجزء الأكبر من التغير ناتجًا عن تراجع قدرة النباتات الريفية على التعافي.

وأصبح هذا التراجع أكثر وضوحًا في المناطق الجافة، بينما حافظت النباتات الحضرية على قدرتها على التعافي أو سجلت تحسنًا طفيفًا خلال الفترة نفسها.

وتتوافق هذه النتيجة مع مؤشرات بحثية سابقة بشأن تراجع مرونة بعض النظم الحرجية أمام تغير المناخ.

هل يكون الري هو السر؟

بحث الفريق في تسعة تفسيرات محتملة للميزة التي تتمتع بها النباتات الحضرية، من بينها ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن، وزيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون، والكثافة السكانية، ومستوى الثروة، وارتفاع الغطاء الشجري.

لكن الباحثين وجدوا أن أقوى علاقة ظهرت بين الميزة الحضرية وإمدادات المياه الإضافية للنباتات.

ولا توجد قاعدة بيانات عالمية موحدة توضح كمية المياه التي تستخدمها المدن لري الحدائق والأشجار في الشوارع، لذلك استخدم الفريق مؤشرًا غير مباشر يعتمد على التبخر والنتح.

ويمثل التبخر والنتح إجمالي كمية المياه التي تنتقل إلى الغلاف الجوي من التربة والنباتات، بما في ذلك المياه التي تطلقها النباتات عبر أوراقها.

وعندما يكون فقد المياه من النباتات داخل المدينة أعلى بكثير من المناطق المحيطة بها، خصوصًا في المناخات الجافة، يمكن أن يكون ذلك مؤشرًا على حصول النباتات الحضرية على مياه إضافية من خلال الري.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذا المؤشر لا يمثل قياسًا مباشرًا للري، إذ يمكن لعوامل أخرى مثل الظل ونوع النباتات وارتفاع الحرارة أن تؤثر أيضًا في معدل التبخر والنتح.

ومع ذلك، كان مؤشر الإمداد المائي الإضافي أقوى العوامل ارتباطًا بميزة النباتات الحضرية في التعافي، وكان تأثيره أكثر وضوحًا في المناطق الجافة.

تعافى نباتات المدن أسرع من النباتات الريفية

بعض المدن تجمع بين ميزتين

لا تعتمد قدرة النباتات على تجاوز موجات الحرارة والجفاف على سرعة التعافي فقط، وإنما تتأثر أيضًا بحجم الضرر الذي تتعرض له في البداية.

وأظهرت الدراسة أن النباتات الحضرية فقدت في المتوسط كمية من اخضرارها خلال فترات الإجهاد مماثلة تقريبًا للنباتات الريفية، لكن ميزتها الأساسية كانت في سرعة التعافي.

وفي نحو 32% من المدن، ومعظمها في المناطق الجافة، حققت النباتات الحضرية ميزتين في الوقت نفسه: فقدت قدرًا أقل من اخضرارها خلال فترات الإجهاد، وتعافت بصورة أسرع من النباتات الموجودة خارج المدن.

وكانت المدن التي ظهر فيها مؤشر أقوى على حصول النباتات على مياه إضافية أكثر ميلًا إلى تسجيل هذا النمط.

إدارة المساحات الخضراء أهم من زيادة عددها فقط

يرى الباحثون أن النتيجة الأساسية للدراسة ليست الدعوة إلى زيادة ري جميع المساحات الخضراء، وإنما إدارة الغطاء النباتي الحضري بطريقة تعزز قدرته على الصمود على المدى الطويل.

ويشمل ذلك تحسين إدارة المياه، واختيار بنية مناسبة للغطاء الشجري، والتخطيط طويل الأجل للحدائق والأشجار الموجودة في الشوارع، بما يتناسب مع مناخ كل مدينة ومواردها المائية.

ومع تزايد موجات الحرارة والجفاف، يصبح توفير مصدر مستدام للمياه عنصرًا أكثر أهمية للحفاظ على قدرة النباتات الحضرية على مواجهة الإجهاد المناخي.

ولهذا يقترح الباحثون دراسة خيارات مثل استخدام مياه الصرف المعالجة، وتجميع مياه الأمطار، وتحسين كفاءة الري، وزراعة أنواع نباتية أكثر تحملًا للجفاف، مع مراعاة العدالة في توزيع المساحات الخضراء والخدمات المرتبطة بها.

لماذا لا تنجح كل المدن؟

رغم وضوح الاتجاه العام، لا تظهر الميزة نفسها في جميع المدن، ويقول الباحثون إن أحد أهم الأسئلة التي تحتاج إلى مزيد من البحث هو سبب غياب التفوق الحضري في بعض المناطق.

ويرغب الفريق في الحصول على بيانات أكثر دقة حول كميات الري، وخصائص التربة، وبنية الغطاء الشجري، وأنواع النباتات المزروعة، ومستوى الإدارة والصيانة في المساحات الخضراء.

وقد تساعد هذه البيانات في تحديد العامل الأكثر تأثيرًا في مرونة النباتات داخل كل نوع من المناخات.

كما يريد الباحثون معرفة ما إذا كان تنوع أنواع النباتات داخل المدن يمكن أن يساعد الغطاء النباتي الحضري على الحفاظ على قدرته على الصمود مع تزايد موجات الحرارة والجفاف.

وتشير الدراسة، في مجملها، إلى أن المساحات الخضراء في المدن قد تمثل ملاذًا مهمًا للنباتات في عالم أكثر حرارة، لكن قدرتها على أداء هذا الدور تعتمد على إدارة المياه والغطاء النباتي بطريقة مستدامة، وليس على وجود النباتات داخل المدينة وحده.

↑
Exit mobile version