كشف المريخ عن أحد أقدم آثار تدفق المياه على سطحه، محفوظة تحت قاع فوهة جيزيرو، وهي حوض تصادم كبير كان مليئًا يومًا ما ببحيرة.
تُظهر هذه الطبقات المدفونة فترة مبكرة جدًا من تاريخ الكوكب، ما يوسع الفترة الزمنية التي قد يكون المريخ قد احتوى خلالها على بيئات قادرة على دعم الحياة.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Science Advances.
الطبقات المدفونة تكشف تاريخ المياه
تُظهر صور الرادار تحت شريط من قاع الفوهة المتضرر طبقات ترسبت عندما التقى نهر ببحيرة.
وبقراءة هذه الطبقات، حددت العالمة الكوكبية إميلي كارداريلي في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (UCLA) ترسبًا أقدم من دلتا جيزيرو الغربية، ويُقدّر عمر هذا الهيكل المخفي بحوالي 3.7 إلى 4.2 مليار سنة، قرب بداية تاريخ المريخ.
لا يثبت هذا الاكتشاف وجود حياة، لكنه يُظهر أن المياه وصلت إلى هذا الحوض قبل أن يُظهر المشهد السطحي ما يوحي به.
الرادار يكشف تحت السطح
بدلًا من الحفر، استخدم “بيرسيفيرانس” رادارًا يخترق الأرض لرسم الطبقات المدفونة باستخدام موجات الراديو أثناء تجواله، أرسل جهاز الرادار نبضات نحو الأسفل وسجل الانعكاسات، مما مكّن العلماء من إعادة بناء الصخور المدفونة ثلاثية الأبعاد.
على امتداد 6.1 كيلومتر، تتبع الروفر ميزات تحت السطح تزيد عن 35 مترًا خلال 250 يومًا مريخيًا من القياسات، مما سمح بمقارنة الطبقات العميقة بالمعالم السطحية بدلًا من الاعتماد على المؤشرات المدارية فقط.
دلتا مزدوجة تحت جيزيرو
تبدو فوهة جيزيرو وكأنها تحتوي على دلتا واضحة واحدة، لكن المسح تحت السطح كشف عن مرحلتين مختلفتين.
أظهرت أعمال رادار سابقة ترسبات هادئة في البحيرة تحت الدلتا الغربية، وتدفع المسوحات الجديدة القصة أبعد في الزمن، إذ انتشرت ترسبات نهرية قديمة في الحوض قبل تكون الدلتا المرئية، وتعرضت لاحقًا للتعرية.
يبدو أن المياه على المريخ تحركت وترسّبت ونحتت الصخور على فترة أطول مما يوحي به معلم واحد.
أهمية الدلتا
على الأرض، يمكن للأنهار بناء دلتا عند دخولها مياه ساكنة، حيث تُحبس الطمي والمعلومات البيئية في التدفق البطيء.
لذلك يهتم العلماء بالمريخ، إذ يمكن أن تدفن الترسبات الدقيقة آثارًا هشة قبل أن تمحوها الرياح والإشعاع، وتُعرف هذه الآثار المحتملة بالبصمات الحيوية، أي مؤشرات كيميائية أو فيزيائية لحياة سابقة، حتى وإن كانت الكيمياء غير الحية قد تُحاكيها.
اختيار جيزيرو
منذ هبوطه في 2021، اجتاز “بيرسيفيرانس” فوهة جيزيرو لأن العلماء شككوا يومًا في احتواء الحوض على بحيرة ودلتا.
تُظهر القنوات التي قطعت الحافة أن الحوض كان قادرًا على جمع الطمي والأملاح والمادة الغنية بالكربون، ويكشف الرادار أن المياه وصلت إلى الحوض قبل المشهد السطحي المرئي، مع نظام أقدم أسفله.
تأثير التعرية
أسفل الطبقات العميقة، رصدت المسوحات أيضًا أسطحًا خشنة حيث تعرضت الترسبات القديمة للتآكل، مما يشير إلى أن المياه لم تصل مرة واحدة فقط، إذ تراكمت الرواسب وتآكلت وغطت المواد الأحدث ما تبقى.
يبدو أن المريخ مر بفترات متكررة من الرطوبة والجفاف بدلًا من فيضان واحد يليه سكون، وهو أمر مهم لأن أي آثار حياة كانت قد تشكلت أو تحركت أو تلاشت ضمن هذه الظروف المتغيرة.
الحدود والمعايير
لم يتم أخذ عينات من الترسب المدفون نفسه، لذا يعتمد الاستنتاج على الشكل والطبقات والخصائص الصخرية.
يمكن للرادار إظهار الحدود والانحدارات والأسطح المكسّرة، لكنه لا يستطيع وحده تحديد كل المعادن.
الكيمياء غير الحية يمكن أن تخلق ميزات مشابهة، لذا يفرّق الباحثون بين الأماكن التي قد تحتوي على آثار حياة وبين الإثبات الفعلي.
العينات قد تحسم الأمر
لا يستطيع “بيرسيفيرانس” الحفر حتى عمق 35 مترًا، لكنه يستطيع تخزين عينات تربط الطبقات المدفونة بالسطح الذي يلمسه، ما يتيح اختبار الكيمياء على الأرض بدقة لا يمكن للروفر حملها، ومعرفة التاريخ الخفي للمياه يساعد في تحديد أماكن وجود المواد العضوية والمعادن المستقرة.
المريخ يواصل كشف أسراره
عثر العلماء في أماكن أخرى على القنوات وأحواض البحيرات والمعادن المعدلة بالمياه. وقالت كارداريلي: “مع مرور الوقت، رأينا المزيد من الأدلة على وجود المياه السائلة على سطح المريخ في مواقع هبوط الروفر المختلفة.”
تضيف الدلتا المدفونة إلى عدة مؤشرات أخرى على أن المريخ شهد مياه سطحية متكررة، وقالت: “المريخ متنوع، وكل مهمة روبوت تكشف جزءًا آخر من ماضيه الغامض وتطور جاره الصخري المبكر.”
الخطوة التالية
تحمل الفوهة التي اختيرت لدلتا سطحية واضحة الآن سجلًا أعمق يبدأ أبكر ويمتد لفترة أطول. مع استمرار “بيرسيفيرانس” في التجوال، قد تأتي أهم الاكتشافات من ما يخفيه المريخ أكثر من ما يظهره.
