تعتمد توقعات الأمواج الساحلية عادة على العواصف المحلية، وتُصمم الحواجز البحرية وفقًا لظروف الطقس القريب من الشواطئ، بينما لا تُؤخذ في الاعتبار دائمًا الأمواج القادمة من المحيط الجنوبي التي تقطع آلاف الكيلومترات من أنتاركتيكا نحو سواحل الأمريكتين.
لكن دراسة جديدة كشفت أن هذه الأمواج، التي كانت تُفقد وسط ضوضاء المحيط عند وصولها إلى السواحل، أصبحت أكثر قوة ويمكن تتبعها على المدى الطويل.
تنشأ هذه الأمواج في المحيط الجنوبي المحيط بأنتاركتيكا، حيث تهب رياح غربية قوية بشكل مستمر، وتولد عواصف بحرية شديدة تجعل هذه المنطقة الأكثر طاقة موجية في العالم.
وقاد الباحث هيكتور لوبِتو من معهد الهيدروليكا البيئية بجامعة كانتابريا فريقًا علميًا لتحليل بيانات أمواج امتدت لمدة 45 عامًا على طول سواحل المحيط الهادئ في الأمريكتين.
ورغم أن تتبع هذه الأمواج يبدو بسيطًا، إلا أنها تفقد هويتها أثناء انتقالها آلاف الكيلومترات، حيث تختلط مع أمواج محلية وتصبح جزءًا من الضوضاء البحرية.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications.
لكن ما يميزها هو “فترتها الزمنية”، أي الزمن بين قمة موجة وأخرى، إذ تمتلك الأمواج المحلية فترة تتراوح بين 8 و12 ثانية، بينما تمتلك الأمواج القادمة من المحيط الجنوبي فترات أطول تتجاوز 20 ثانية.
وباستخدام هذا “التوقيع الموجي”، طور الباحثون خوارزمية قادرة على رصد هذه الأمواج عبر بيانات تمتد من عام 1979 حتى 2023، شملت 22 نقطة ساحلية من تشيلي حتى كندا.
وأظهرت النتائج تحليل 900 حدث موجي سنوي في كل موقع، ما أتاح قاعدة بيانات غير مسبوقة لدراسة هذه الظاهرة.
وتصل هذه الأمواج غالبًا خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الجنوبي بين يونيو وأغسطس، وهو الوقت الذي تبلغ فيه العواصف في المحيط الجنوبي ذروتها.
وهذا التزامن يخلق مفارقة خطرة، إذ يتزامن وصول أقوى الأمواج مع فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي، حيث تزداد الأنشطة الساحلية والسياحية.
وترتبط هذه الظاهرة بنمط مناخي يُعرف باسم “التذبذب الجنوبي الحلقي” (SAM)، حيث يؤدي تغيره إلى تعزيز الرياح الغربية حول أنتاركتيكا، ما يزيد من قوة العواصف.
كما تتأثر أيضًا بظاهرة “إل نينيو” في بعض المناطق، خاصة من بيرو حتى المكسيك.
وتشير دراسات سابقة إلى أن ارتفاع سرعة الرياح في المحيط الجنوبي يرتبط بزيادة ارتفاع الأمواج، وهو ما يتوافق مع النتائج الحالية.
وخلال العقود الأربعة الماضية، سجلت الدراسة زيادة في ارتفاع الأمواج على معظم السواحل المدروسة، مع ارتفاعات ملحوظة في أمريكا الجنوبية تجاوزت 12.7 سم خلال 45 عامًا.
كما زادت قوة الأمواج وتكرار الأحداث الشديدة بمعدل يتراوح بين 0.5 و1.5 حدث إضافي لكل عقد.
وترتبط هذه الزيادة بالاتجاه الإيجابي طويل الأمد في نمط SAM، إضافة إلى التغيرات المناخية المتوقعة في المستقبل.
وسُجلت حوادث خطيرة بالفعل، منها موجة عام 2015 التي تسببت في وفيات بأمريكا الوسطى والجنوبية، وموجة 2011 التي وصلت حتى سواحل كاليفورنيا.
وأصبحت بعض الدول مثل المكسيك وكولومبيا تصدر تحذيرات مبكرة عند توقع وصول هذه الأمواج.
لكن الخطر الأكبر يتمثل في الأمواج غير المتوقعة، التي تصل خارج المواسم المعتادة، ما يجعل خطط إدارة المخاطر أقل فاعلية.
ومع ارتفاع مستوى سطح البحر، فإن تأثير هذه الأمواج يصبح أكثر خطورة، حيث تتراكم الزيادة في ارتفاع المياه مع قوة الأمواج لتزيد من مخاطر الفيضانات الساحلية.
وتشير الدراسة إلى أن البنية التحتية الساحلية قد تحتاج إلى إعادة تقييم، إذ قد لا تكون مصممة لتحمل الظروف الموجية الجديدة.
كما يفتح النموذج التحليلي المستخدم الباب لدراسات مماثلة في مناطق ساحلية أخرى حول العالم.
