لا يؤدي الطقس الحار إلى جعل المدن غير مريحة فقط، بل يعيد تشكيل طريقة حركة الناس داخلها، وفقًا لبيانات جديدة من إسبانيا.
وتشير النتائج إلى أنه مع ارتفاع درجات الحرارة، يبدأ السكان في تقليل الخروج، وتجنب الشوارع المزدحمة، وتقليص الأنشطة اليومية المعتادة.
وفي البداية تبدو هذه التغيرات محدودة، لكنها تتراكم بمرور الوقت لتؤدي إلى تراجع واضح في حركة الشوارع والتفاعل الاجتماعي داخل مراكز المدن.
وخلال صيفين في إسبانيا، تتبع الباحثون أنماط الحركة من بيانات 13 مليون هاتف محمول، لرصد التغيرات في السلوك اليومي للسكان.
وقاد الباحث أندرو رنينجر من مركز «بارتليت» للتحليل المكاني المتقدم هذه الدراسة، موضحًا أن أكبر تراجع في الحركة يحدث خلال فترات الذروة الحرارية.
ونُشرت الدراسة في مجلة PNAS Nexus.
وتراجعت الرحلات غير الضرورية مثل التسوق والزيارات، بينما بقيت التنقلات المرتبطة بالعمل أكثر استقرارًا.
ويعكس ذلك كيف تؤثر الحرارة على نمط الحركة قبل أن توقفه بالكامل.
وتُظهر البيانات أن كبار السن هم الأكثر تأثرًا، حيث تقل حركتهم بشكل ملحوظ مع ارتفاع درجات الحرارة.
ويتماشى ذلك مع إرشادات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، التي تشير إلى أن كبار السن أقل قدرة على التكيف مع الحرارة بسبب ضعف كفاءة التعرق.
وبالنسبة لمن هم فوق 65 عامًا، بدأت حتى بعض التنقلات الضرورية تتراجع.
ولم يظهر اختلاف كبير بين الجنسين، بينما برز العمر كعامل رئيسي في تحديد مدى تأثر الأفراد بالحر.
وفي المقابل، لم يتراجع أصحاب الدخل المنخفض بنفس المعدل، إذ اضطر كثير منهم للاستمرار في العمل رغم الظروف المناخية القاسية.
أما الفئات الأعلى دخلًا فقد قلصت تنقلاتها بشكل أكبر، مما يعكس مرونة أكبر في تعديل أنماط الحياة اليومية.
كما أظهرت البيانات تراجعًا في التفاعل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة داخل المدينة، نتيجة انخفاض التنقل بين الأحياء الغنية والفقيرة.
ويؤدي ذلك إلى تراجع «الاختلاط الاجتماعي اليومي»، وهو عنصر مهم في حركة الاقتصاد والعلاقات داخل المدن.
وتختفي الرحلات القصيرة، خاصة تلك التي تقل عن 1.2 ميل، بشكل أكبر خلال فترات الحر، لأنها تعتمد على المشي والتعرض المباشر للشمس.
بينما تبقى الرحلات الطويلة أكثر استقرارًا، نظرًا لاعتمادها على وسائل نقل مغلقة مثل السيارات والقطارات.
وتتركز أكبر الانخفاضات في ساعات بعد الظهر، حيث تتراجع الأنشطة الاختيارية بنسبة تصل إلى 20%.
ويشير ذلك إلى أن الناس لا يؤجلون أنشطتهم فقط، بل يتخلون عن بعضها تمامًا خلال فترات الذروة الحرارية.
كما تصبح مراكز المدن أقل نشاطًا، ما ينعكس على المطاعم والمتاجر والخدمات التي تعتمد على الحركة اليومية.
ويحذر الباحثون من أن هذا التراجع قد يؤثر على الاقتصاد الحضري ويضعف حيوية المدن كمراكز للتبادل الاجتماعي والاقتصادي.
ورغم أن أجهزة التكييف تحمي السكان داخل المنازل، إلا أنها تسهم في تقليل الحياة في الشوارع، حيث ينتقل الناس إلى الأماكن المغلقة.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا، التي تُعد أسرع قارة من حيث الاحترار، تصبح البنية الخضراء أكثر أهمية لتخفيف أثر الحرارة.
وتؤكد الدراسة أن الأشجار والمساحات الخضراء لم تعد عنصرًا جماليًا فقط، بل جزءًا من البنية التحتية المناخية للمدن.
ويشير الباحثون إلى أن تصميم المدن يجب أن يركز على تبريد الشوارع والساحات العامة، وليس فقط المباني.
وتخلص الدراسة إلى أن موجات الحر لا تؤثر فقط على الصحة، بل تعيد تشكيل الحياة الحضرية من حيث الحركة والتواصل والاقتصاد.
