من مدارج الجيش إلى جبهة النيران.. فرنسا توظف “إيه-400 إم” لأول مرة في مكافحة الحرائق

"حرائق القرن" تضرب أوروبا.. وطائرة عسكرية تدخل المعركة.. مناخ متطرف وحرائق مدمرة

من مدارج الجيش إلى جبهات الكوارث المناخية، دخلت طائرة النقل العسكرية الفرنسية “إيه-400 إم أطلس” مرحلة جديدة من الاستخدام، بعدما نفذت أول مهمة تشغيلية لها في مكافحة حرائق الغابات، في لحظة فارقة تكشف حجم التحول الذي تشهده أوروبا تحت ضغط التغير المناخي.

في الخلفية، تتشكل صورة مناخية غير مسبوقة. ففي الوقت الذي شهدت فيه العاصمة اليونانية أثينا أمطارًا مفاجئة فوق هضبة الأكروبوليس، كانت موجات الحر القياسية تضرب غرب أوروبا، ممهدة الطريق لاندلاع حرائق وُصفت بأنها “حرائق القرن”، اجتاحت فرنسا وإسبانيا، ووضعت مدنًا كاملة على حافة الخطر.

كارثة تتسع رقعتها في فرنسا

في إقليم جيروند جنوب غربي فرنسا، تحولت الغابات إلى بؤر اشتعال هائلة، حيث التهمت النيران نحو 42 ألف هكتار خلال أيام قليلة، في مساحة تعادل أضعاف كبرى المدن العالمية.

وسرعة انتشار الحرائق، المدفوعة بالجفاف والرياح ودرجات الحرارة المرتفعة، جعلت السيطرة عليها تحديًا استثنائيًا.

اقتراب النيران لمسافة 15 كيلومترًا من مناطق مأهولة بالسكان، خاصة في محيط بوردو

تعمل فرق الإطفاء، التي تضم نحو 1500 عنصر، على مدار الساعة في مواجهة ألسنة اللهب، مستخدمة مزيجًا من الوسائل البرية والجوية، في حين تم تعزيز الجهود بقوات من الجيش، في مؤشر واضح على خطورة الوضع.

حرائق أوروبا تخرج عن السيطرة.. إجلاء مئات الآلاف في فرنسا وإسبانيا

التهديد لم يعد بيئيًا فقط، بل أصبح حضريًا أيضًا، مع اقتراب النيران لمسافة 15 كيلومترًا من مناطق مأهولة بالسكان، خاصة في محيط بوردو، ما دفع السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء ضخمة شملت أكثر من 220 ألف شخص، في واحدة من أكبر عمليات النزوح الداخلي في تاريخ فرنسا خارج أوقات الحرب.

إسبانيا.. جبهة أخرى مشتعلة

على الجانب الآخر من الحدود، تواجه إسبانيا سيناريو مشابهًا، لكن على نطاق أوسع من حيث عدد المناطق المتضررة. فقد دمرت الحرائق أكثر من 77 ألف هكتار خلال أسابيع، وأجبرت 121 ألف شخص على مغادرة منازلهم.

الحرائق، التي اندلعت في ظل موجات حر قياسية، لم تقتصر على الغابات، بل امتدت إلى المناطق السكنية، مسببة خسائر مباشرة في الممتلكات والبنية التحتية، وسط تحذيرات رسمية من استمرار الوضع الخطير.

ومع تجاوز إجمالي المساحات المحترقة منذ بداية العام 152 ألف هكتار، تتجه الحكومة الإسبانية لإعلان حالة “طوارئ مدنية خطيرة”، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن هذه الحرائق لم تعد موسمية، بل جزء من نمط مناخي جديد.

في إقليم جيروند جنوب غربي فرنسا، تحولت الغابات إلى بؤر اشتعال هائلة، حيث التهمت النيران نحو 42 ألف هكتار

“إيه-400 إم”.. سلاح جديد في مواجهة النيران

في خضم هذه الأزمة، برزت طائرة “إيه-400 إم” كأحد أبرز التطورات في أدوات مكافحة الحرائق. الطائرة، التي صممت أساسًا لنقل القوات والمعدات، جرى تكييفها عبر نظام خزان قابل للإزالة، يسمح لها بحمل ما يصل إلى 20 ألف لتر من المياه أو المواد المثبطة.

وخلال أول مهمة تشغيلية، ألقت الطائرة حمولتها فوق بؤر النيران في جيروند، في محاولة لإبطاء انتشار الحريق عبر إنشاء خطوط عازلة، وهي استراتيجية تختلف عن الإطفاء المباشر الذي تنفذه طائرات “كنداير” و”داش”.

وتكشف بيانات الرحلات أن الطائرة نفذت عدة طلعات منخفضة الارتفاع، ما يعكس قدرة تشغيلية مرنة، خاصة مع إمكانية إعادة تعبئتها خلال أقل من 10 دقائق، واستخدامها في مدارج قصيرة أو غير ممهدة.

موجات الحر القياسية تضرب غرب أوروبا، ممهدة الطريق لاندلاع حرائق وُصفت بأنها “حرائق القرن”

تكامل لا استبدال

ورغم الإمكانات الكبيرة للطائرة، فإن دورها يظل تكميليًا، إذ لا تهدف إلى استبدال أسطول الطائرات التقليدية، بل إلى تعزيز قدرات الاستجابة في الحرائق واسعة النطاق، عبر استهداف مسارات انتشار النيران بدلًا من الاكتفاء بإخمادها.

هذا النهج يعكس تحولًا في فلسفة مكافحة الحرائق، من الاستجابة المباشرة إلى الإدارة الاستباقية لمسارات الكارثة.

مؤشر على أزمة أعمق

ما يحدث في فرنسا وإسبانيا يتجاوز كونه أزمة موسمية، ليشكل مؤشرًا واضحًا على تسارع تأثيرات التغير المناخي في أوروبا. فالجفاف الممتد، وارتفاع درجات الحرارة، والتقلبات الجوية الحادة، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة مثالية لاندلاع حرائق أكثر شدة واتساعًا.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أوروبا أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع واقع مناخي جديد، حيث لم تعد الكوارث الطبيعية أحداثًا استثنائية، بل أصبحت جزءًا متكررًا من المشهد السنوي.

حالة طوارئ تاريخية.. حرائق ضخمة تهدد بوردو وتشعل إسبانيا
Exit mobile version