من الطماطم إلى البطاطس.. كيف شكّلت الهجينات القديمة أحد أهم المحاصيل
الطماطم التي أنجبت البطاطس.. كشف أسرار ملايين السنين من تطور النباتات
في المرة القادمة التي تأكل فيها البطاطس، اشكر الطماطم!
قد تبدو الطماطم والبطاطس مختلفة تمامًا، لكن كلاهما يشترك في صلة بيولوجية وثيقة. فالطماطم تنمو ثمارًا حمراء طرية فوق سطح الأرض، بينما تنمو البطاطس كدرنات نشوية تحت التربة. ومع ذلك، أظهرت العلوم الحديثة أن كلا النباتين نشأا من أسلاف مترابطة قريبًا.
أظهرت الأبحاث الحديثة كيف نشأت البطاطس من مزج قديم بين سلالات نباتية، ولماذا أصبحت الدرنات تحت الأرض ميزة حيوية. كشفت الدراسة أن البطاطس نشأت من حدث هجين نادر بين أقارب الطماطم القديمة ونبات قديم يُسمى Etuberosum.
وتشير الأدلة الجينية إلى أن هذا المزج حدث قبل نحو 8–9 ملايين سنة، وجمع خصائص مفيدة من كلا الوالدين، لتنشأ سلالة جديدة قادرة على إنتاج درنات تحت الأرض.

الطماطم أنجبت البطاطس
قاد الباحث الصيني سانوين هوانج، عالم الجينوم النباتي ومربّي النباتات في الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية، هذا البحث مع فريق دولي. قال هوانج: “الطماطم هي أم البطاطس”، مشيرًا إلى أن بعض الجينات الأساسية للبطاطس جاءت مباشرة من أسلاف الطماطم.
بينما جاءت جينات أخرى مهمة من نبات Etuberosum، وهو نبات صغير في أمريكا الجنوبية ينمو بجذور تحت الأرض لكنه لا يكون درنات، الدراسة منشورة في مجلة Cell.

لغز الدرنات
تعمل درنات البطاطس كمخازن للماء والطاقة، مما يساعد النبات على البقاء في الطقس البارد والجفاف والتربة الفقيرة. كما تساعد على التكاثر دون بذور، ما يمكّن النباتات الجديدة من النمو حتى عندما تكون الظروف البيئية غير مناسبة لإنتاج البذور.
لفترة طويلة، واجه العلماء صعوبة في فهم كيفية تطور الدرنات. فالنباتات الطماطم لا تنتج درنات، ونباتات Etuberosum تنمو بجذور تحت الأرض لكنها لا تنتفخ لتصبح مخازن.
وصف لين بوهس، عالم تصنيف النباتات بجامعة يوتا، نشوء الدرنات بأنه “لغز هائل”.

البطاطس بجينات الطماطم
حل هوانج وزملاؤه هذا اللغز بدراسة 128 جينومًا من البطاطس البرية والطماطم وأنواع Etuberosum. سمحت تقنيات التسلسل المتقدمة بمقارنة أنماط الجينات عبر كامل الكروموسومات.
أظهرت النتائج أن جينومات البطاطس تحمل مزيجًا ثابتًا من جينات الطماطم وEtuberosum، مما يشير إلى حدوث هجين قديم وليس تبادل جيني حديث.

الجينات المسؤولة عن تكون الدرنات
يعتمد تكوّن الدرنات على جينات موروثة من كلا الوالدين. الجين المشتق من الطماطم SP6A يعمل كمفتاح لتفعيل نمو الدرنات، بينما الجين IT1 من Etuberosum يتحكم في نمو وانتفاخ السيقان تحت الأرض. تلعب جينات أخرى دورًا داعمًا في استشعار الضوء وتوجيه فروع السيقان. و
أكدت التجارب أن إزالة بعض الجينات تمنع تكون درنات سليمة، ما يثبت أن التدرن يعتمد على تفاعل الجينات من كلا السلالتين.

دور أسلاف الطماطم في انتشار البطاطس
منحت الدرنات النباتات البدائية مزايا بقاء كبيرة، حيث سمحت المخزونات الغذائية بالنمو في المناخات الباردة وتقليل الاعتماد على الملقحات والبذور.
وحدث الهجين في فترة تصاعد جبال الأنديز بسرعة، ما خلق بيئات مرتفعة جديدة في أمريكا الجنوبية. مكنت الدرنات البطاطس من الانتشار في المروج والمنحدرات والمناطق الجبلية حيث تعاني النباتات الأم.

التنوع السريع بعد الهجين
بعد تكوين الهجين، انتشرت أنواع البطاطس وتنوعت بسرعة أكبر من النباتات المماثلة، أنتجت الهجنات تنوعًا جينيًا أسرع من الطفرات البطيئة، ما مكّن النبات من التكيف سريعًا مع البيئات الجديدة. تظهر أنماط مشابهة في أسماك السيكلد وزهور عباد الشمس. قال هوانج: “الهجين لم يخلق نوعًا جديدًا فحسب، بل بنى آلة تكيفية”.

آفاق الزراعة
يبقى هناك بعض الحذر، لكن فهم جينات الدرنات يحمل وعودًا للزراعة، يمكن للعلماء إدخال جينات الدرنات في الطماطم أو تطوير بطاطس تُزرع من البذور بصفات محسنة، مستنسخين تجربة الطبيعة منذ ملايين السنين. قال هوانج: “في المرة القادمة التي تأكل فيها البطاطس، اشكر الطماطم“.





