دراسة تقودها جامعة ولاية فلوريدا توضح كيف تساعد مطيافية الكتلة فائقة الدقة على رصد التغيرات البيئية في الأنهار والنظم المائية، وتتبع آثار الزراعة والتحضر والحرائق وذوبان الجليد في القطب الشمالي
كشفت مراجعة علمية قادتها جامعة ولاية فلوريدا الأمريكية عن قدرة تقنية مطيافية الكتلة فائقة الدقة على تحديد البصمات الجزيئية للأنشطة البشرية داخل النظم المائية حول العالم، بما يساعد العلماء على فهم التغيرات التي تطرأ على المياه نتيجة الزراعة والتوسع العمراني والحرائق وتغير المناخ.
وتتيح هذه التقنية للباحثين تحليل آلاف المركبات والصيغ الجزيئية الموجودة في عينات المياه، وتحديد مؤشرات كيميائية ترتبط بتغيرات استخدامات الأراضي والأنشطة البشرية الأخرى، بما يعزز القدرة على تتبع التأثيرات البيئية وفهم كيفية انتقالها عبر الأنهار والنظم المائية وصولًا إلى المحيطات.
ونُشرت المراجعة العلمية في دورية Nature Water، بقيادة روب سبنسر، أستاذ علم المحيطات بكرسي فيرتا كوكس بقسم علوم الأرض والمحيطات والغلاف الجوي في جامعة ولاية فلوريدا، الذي يستخدم مطيافية الكتلة فائقة الدقة لدراسة التغيرات البيئية منذ ما يقرب من 20 عامًا.
وقال سبنسر إن فريقه يسعى إلى فهم الكيفية التي يمكن من خلالها للمادة العضوية الموجودة في عينات المياه من مختلف أنحاء العالم أن تكشف معلومات عن التغيرات التي تسببها الأنشطة البشرية في البيئات المائية.
وأضاف أن أمن الموارد المائية واستقرارها يمثلان أهمية كبيرة، موضحًا أن تطبيق هذه التقنية أتاح رصد استجابات شبه تشخيصية للأنشطة البشرية على المستوى الجزيئي.
البصمات الجزيئية.. كيف تكشف المياه تأثير الإنسان؟
تعتمد التقنية على تحليل المادة العضوية الذائبة (Dissolved Organic Matter – DOM)، وهي خليط معقد من المركبات العضوية يوجد في المياه حول العالم، ويؤدي أدوارًا مهمة في عمل النظم البيئية.
وتشكل هذه المادة مصدرًا للطاقة للكائنات المائية، كما تؤثر في عمليات معالجة مياه الشرب، وتشارك في الدورات البيوجيوكيميائية الرئيسية التي تنظم حركة العناصر والمركبات بين البيئة الحية والمكونات الطبيعية، بما في ذلك دورة الكربون.
ويمثل فهم التركيب الجزيئي للمادة العضوية الذائبة خطوة أساسية لتحديد وظائفها البيئية، والتمييز بين التغيرات الطبيعية والتغيرات المرتبطة بالأنشطة البشرية.
وهنا تبرز أهمية مطيافية الكتلة عالية الدقة وفائقة الدقة، التي أحدثت تطورًا في قدرة العلماء على تحليل مكونات هذه المادة والتعرف على التغيرات التي تطرأ عليها في ظل الضغوط البيئية المختلفة.
وقال مايك ستوكل، رئيس قسم علوم الأرض والمحيطات والغلاف الجوي بالجامعة، إن تجميع نتائج الأبحاث من أنظمة مائية متعددة يساعد على توضيح إمكانات هذه التقنية وحدودها الحالية، ويمهد الطريق لتحسين التعرف على البصمات الجزيئية للتأثيرات البشرية وفهمها.
وأشار إلى أن الجمع بين علم الكيمياء الحيوية الجيولوجية المائية والتقنيات التحليلية المتقدمة يتيح معالجة أسئلة أساسية تتعلق بالتغيرات التي يشهدها كوكب الأرض.
من الأمازون إلى المسيسيبي.. مؤشرات تكشف تغير استخدامات الأراضي
تستفيد جامعة ولاية فلوريدا من إمكانات المختبر الوطني للمجالات المغناطيسية العالية، المعروف باسم «National MagLab»، والذي يضم منشآت متقدمة لإجراء أبحاث مطيافية الكتلة في مجال الرنين السيكلوتروني للأيونات.
وتتميز مطيافية الكتلة فائقة الدقة بقدرتها العالية على تحديد الكتل الجزيئية بدقة ووضوح، ما يسمح للباحثين بفحص عشرات الآلاف من نقاط البيانات التي تتضمن مؤشرات عضوية وصيغًا جزيئية يمكن أن تساعد في تشخيص التغيرات البيئية.
وأوضح سبنسر أن تحليل هذا العدد الكبير من الصيغ الجزيئية في عينات المياه قد يقود إلى تحديد عدد محدود من المؤشرات التشخيصية شديدة الأهمية.
وضرب مثالًا بحوض نهر الأمازون، حيث يمكن تحديد نحو 10 مؤشرات تشخيصية تساعد على تتبع التغيرات في استخدامات الأراضي.
وفي أبحاث مماثلة بحوض نهر المسيسيبي، عُثر على عدد محدود من المؤشرات العضوية المرتبطة بالزراعة، ولاحظ الباحثون تشابهًا كبيرًا بين الصيغ الجزيئية لهذه المؤشرات وتلك التي رُصدت في حوض الأمازون.
ويشير هذا التشابه إلى أن التحولات الكبرى التي يسببها الإنسان، مثل تحويل الأراضي الطبيعية إلى أراضٍ زراعية، يمكن أن تترك آثارًا جزيئية متشابهة في النظم المائية، حتى في مناطق جغرافية مختلفة.
وتتيح هذه النتائج تطوير أدوات أكثر دقة لفهم تأثير تغيير استخدامات الأراضي على جودة المياه والعمليات البيئية المرتبطة بها، بدلًا من الاعتماد على المؤشرات التقليدية وحدها.
التحضر والحرائق وتغير المناخ.. آثار تظهر في التركيب الجزيئي للمياه
لا تقتصر تطبيقات التقنية على تتبع الأنشطة الزراعية، إذ يمكن للتغيرات في التركيب الجزيئي للمادة العضوية الذائبة أن تكشف أيضًا آثار التوسع العمراني والحرائق والتغيرات العامة في المناخ وأنماط هطول الأمطار.
وتساعد هذه المؤشرات على فهم كيفية استجابة النظم المائية للضغوط المختلفة، فضلًا عن تتبع انتقال آثارها إلى المناطق الواقعة أسفل مجرى الأنهار.
وأكد سبنسر أهمية إتاحة البيانات البحثية بصورة مفتوحة، حتى يتمكن العلماء من تحسين التعرف على المؤشرات التشخيصية والمركبات العضوية المرتبطة بأنواع مختلفة من التأثيرات البشرية.
وأوضح أن مقارنة النظم المائية في المناطق المعتدلة والاستوائية كشفت عن استجابات جزيئية متشابهة لبعض التأثيرات البشرية الرئيسية، ما يعزز فرص تطوير فهم أكثر شمولًا للتغيرات التي تصيب النظم المائية عالميًا.
ذوبان التربة الصقيعية في القطب الشمالي يهدد دورة الكربون
يمثل التغير المتسارع في القطب الشمالي أحد المحاور المهمة التي تناولتها المراجعة العلمية، إذ ترتفع درجات الحرارة في هذه المنطقة بوتيرة أسرع من أي منطقة أخرى على الأرض، ما يزيد مخاطر ذوبان التربة الصقيعية.
وتحتوي التربة الصقيعية في القطب الشمالي على كميات هائلة من الكربون المخزن منذ آلاف السنين. وتشير الدراسة إلى أن نحو ثلثي الكربون الموجود في تربة الأرض مرتبط بالتربة الصقيعية المتجمدة، وهو ما يبرز أهمية هذه المخزونات في تنظيم دورة الكربون العالمية.
ومع ارتفاع درجات الحرارة وذوبان التربة الصقيعية، يمكن أن يتحرر جزء من هذا الكربون ويدخل مجددًا في الدورة الحديثة للكربون، بما يثير تساؤلات بشأن مصيره وتأثيراته المحتملة على المناخ.
ويمكن لتحديد المؤشرات العضوية المرتبطة بذوبان التربة الصقيعية أن يساعد العلماء على التنبؤ بصورة أفضل بمسارات انتقال الكربون بعد تحرره من التربة.
فقد ينتقل الكربون من مخازنه طويلة الأجل في التربة إلى مخازن بحرية، أو تستهلكه الكائنات الدقيقة وتعيد إطلاقه إلى الغلاف الجوي في صورة ثاني أكسيد الكربون.
ويؤثر تحديد هذه المسارات في فهم كيفية استجابة دورة الكربون العالمية للاحترار، ومدى مساهمة التغيرات في المناطق القطبية في إعادة توزيع الكربون بين التربة والمياه والغلاف الجوي.
البيانات المفتوحة والتقنيات المتقدمة لدعم حماية المياه
قال ستوكل إن هذه الأبحاث لا تقتصر أهميتها على تطوير المعرفة العلمية بدورة الكربون العالمية، بل تمتد إلى قضايا مجتمعية وبيئية مهمة، من بينها الزراعة والتوسع العمراني وتأثيرات الحرائق وتغير المناخ.
وأضاف أن الجمع بين الخبرات العلمية في قسم علوم الأرض والمحيطات والغلاف الجوي والإمكانات التحليلية المتقدمة للمختبر الوطني للمجالات المغناطيسية العالية يتيح فرصًا واسعة لتطوير هذا المجال البحثي.
وتؤكد المراجعة أن مطيافية الكتلة فائقة الدقة تمثل أداة واعدة لفهم التأثيرات البشرية على النظم المائية، لكنها تشير أيضًا إلى وجود حدود تقنية وعلمية لا تزال بحاجة إلى المعالجة.
ومن ثم، فإن تعزيز إتاحة البيانات وتوحيد أساليب التحليل ومقارنة النتائج بين المناطق المختلفة يمثل خطوات مهمة لتحسين موثوقية المؤشرات الجزيئية وتوسيع استخدامها في الدراسات البيئية.
وفي ظل تصاعد الضغوط على الموارد المائية وتزايد آثار تغير المناخ، يمكن أن يساعد تطوير هذه الأدوات على تحسين فهم مصادر التغير البيئي، وتقييم استجابة النظم المائية، وتوفير معرفة علمية أكثر دقة لدعم سياسات حماية المياه وإدارة الموارد الطبيعية.
