من إصلاح الملابس إلى إعادة تدويرها.. مشروع بريطاني يراهن على الموضة المستدامة لمواجهة تغير المناخ
هل تصبح إعادة استخدام الملابس بديلًا للموضة السريعة؟ مشروع يربط الموضة بالعمل المناخي
مبادرة تستمر أربع سنوات لإنشاء مراكز مجتمعية تقدم ورشًا لإصلاح الملابس وتبادلها وإعادة تصميمها، مع إجراء أبحاث لفهم العوائق التي تمنع المستهلكين من تبني الموضة المستدامة.
حصل مشروع بريطاني جديد يستهدف تشجيع العمل المناخي من خلال الموضة المستدامة على تمويل يقارب 850 ألف جنيه إسترليني، لإطلاق مبادرة تمتد لأربع سنوات، تجمع بين إصلاح الملابس وإعادة استخدامها وتبادلها، إلى جانب التدريب والبحث العلمي لتغيير أنماط استهلاك الأزياء والحد من آثارها البيئية.
وتحمل المبادرة اسم «ريستيتش ذا فيوتشر» (Restitch the Future)، وأطلقتها جامعة باث سبا بالتعاون مع مؤسسة «إيه سينجل ثريد» (A Single Thread)، وهي مؤسسة ذات مصلحة مجتمعية مقرها مدينة بريستول البريطانية، بعد حصول المشروع على التمويل من صندوق العمل المجتمعي التابع لليانصيب الوطني البريطاني.
ويستهدف المشروع إنشاء مراكز مجتمعية في الشوارع التجارية بمناطق مختلفة من المملكة المتحدة، تقدم ورشًا لإصلاح الملابس، وفعاليات لتبادلها، وفرصًا لتبادل المهارات والخبرات، فضلًا عن إجراء أبحاث حول سلوك المستهلكين تجاه الموضة المستدامة.
وتأتي المبادرة في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى الحد من الآثار البيئية لصناعة الأزياء، وتشجيع المستهلكين على إطالة عمر الملابس بدلًا من التخلص منها سريعًا وشراء بدائل جديدة، في مواجهة نموذج الموضة السريعة القائم على طرح منتجات متجددة بوتيرة متسارعة وتشجيع الاستهلاك المتكرر.

الموضة المستدامة ليست حكرًا على القادرين
قالت أميليا توين، مؤسسة «إيه سينجل ثريد»، إن الموضة المستدامة يُنظر إليها في كثير من الأحيان باعتبارها مكلفة أو حصرية أو غير واقعية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
وأضافت أن المبادرة تستهدف تغيير هذه الصورة، من خلال توفير فرص عملية تتيح للأفراد إصلاح ملابسهم وإعادة استخدامها والتفكير بطريقة مختلفة في اختياراتهم الشرائية.
وأكدت توين أن صناعة الأزياء تمثل أحد التحديات المناخية الملحّة، رغم أنها لا تحظى دائمًا بالاهتمام الذي تستحقه.
وأوضحت أن توفير فرص عملية للإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التفكير في استهلاك الملابس من شأنه أن يجعل الموضة المستدامة أكثر سهولة أمام المجتمعات، ويساعد الأفراد على اتخاذ خطوات ملموسة للمساهمة في مواجهة تغير المناخ.
وتشير جامعة باث سبا إلى أن صناعة الأزياء مسؤولة عن ما يصل إلى 10% من انبعاثات الكربون العالمية، لافتة إلى أن الاعتقاد بأن البدائل المستدامة غير متاحة أو باهظة التكلفة أو بعيدة عن متناول كثير من المجتمعات يمثل أحد العوائق أمام انتشارها.

مراكز مجتمعية لإصلاح الملابس وتبادلها
يركز مشروع «ريستيتش ذا فيوتشر» على بناء مهارات عملية داخل مراكز مجتمعية في الشوارع التجارية، بما يسمح للأفراد بتعلم إصلاح الملابس والاستفادة منها لفترات أطول، بدلًا من التخلص منها بمجرد تعرضها للتلف أو تغير اتجاهات الموضة.
وقد أُنشئت بالفعل مراكز مؤقتة للمبادرة في عدد من المناطق البريطانية، من بينها بريستول وباث وويلينغتون وستراود وتشلتنهام.
وتأمل توين في التوسع خلال السنوات الأربع المقبلة، من خلال إنشاء مجموعة من المراكز الدائمة التي توفر أنشطة منتظمة على مدار العام، تشمل تبادل الملابس وورش الإصلاح وإعادة التصميم، إلى جانب فرص تعلم مهارات جديدة ومشاركتها مع الآخرين.
ولا تقتصر المبادرة على تقديم خدمات عملية للمستهلكين، بل تستهدف أيضًا تغيير طريقة تعاملهم مع الملابس، عبر تشجيعهم على الشراء بصورة مختلفة وتقليل مشترياتهم من منتجات الموضة السريعة.
وترى توين أن خفض الاعتماد على هذا النمط من الاستهلاك يمثل أحد أسرع المسارات الممكنة لإحداث تغيير أوسع في منظومة صناعة الأزياء.
ضغوط من أجل تغيير قواعد صناعة الأزياء
إلى جانب العمل المباشر مع المستهلكين، تسعى مؤسسة «إيه سينجل ثريد» إلى الضغط من أجل إدخال تعديلات تنظيمية على مستوى الحكومة البريطانية، بهدف وضع قواعد مختلفة تحدد كيفية عمل العلامات التجارية وممارساتها.
ويعكس هذا التوجه رغبة المبادرة في الجمع بين تغيير السلوك الفردي والسعي إلى معالجة العوامل الأوسع التي تشكل أنماط الإنتاج والاستهلاك في قطاع الأزياء.
فبينما تساعد إعادة الاستخدام والإصلاح على تقليل الحاجة إلى شراء ملابس جديدة، ترى المبادرة أن توسيع نطاق التحول نحو الموضة المستدامة يتطلب أيضًا النظر في مسؤوليات الشركات واللوائح التي تنظم أنشطتها.
جامعة باث سبا تبحث أسباب عزوف المستهلكين
ستقود جامعة باث سبا البرنامج البحثي للمشروع، بهدف فهم العوائق التي تحول دون مشاركة الأفراد في أنشطة الموضة المستدامة، بما في ذلك التكلفة ومدى تمثيل هذه الأنشطة لاحتياجات مختلف فئات المجتمع.
وسيسعى الباحثون إلى تحديد العوامل التي تساعد على إحداث تغييرات دائمة في سلوك المستهلكين، خصوصًا فيما يتعلق بشراء الملابس واستخدامها والتخلص منها.
وكانت الجامعة قد أطلقت العام الماضي مبادرتها الخاصة «فيوتشر فاشن ووركس» (Future Fashion Works)، بهدف ربط الطلاب بالمبدعين المحليين والمصممين المستقلين.
وقالت تامارا بارسونز-بيكر، رئيسة المبادرة، إن المشروع يسعى إلى فهم أفضل للعوامل التي تتيح إحداث تغيير طويل الأمد في سلوك استهلاك الأزياء.
وأضافت أن المشروع سيقدم أدلة بحثية مهمة، بالتوازي مع إحداث تأثير اجتماعي وبيئي ملموس في مختلف أنحاء المملكة المتحدة.
من إصلاح قطعة ملابس إلى تغيير منظومة الاستهلاك
تتجاوز أهمية المشروع تنظيم ورش لتعليم الخياطة أو تبادل الملابس؛ إذ يطرح نموذجًا يجمع بين إتاحة البدائل المستدامة للمستهلكين، وبناء المهارات المحلية، ودراسة السلوك الاستهلاكي، والدعوة إلى تطوير الأطر التنظيمية لصناعة الأزياء.
لكن نجاح هذه الجهود سيعتمد على مدى قدرة المراكز المجتمعية على الوصول إلى شرائح واسعة من السكان، واستمرار مشاركة الأفراد فيها، وتحويل الأنشطة المؤقتة إلى عادات يومية تقلل شراء الملابس الجديدة وتطيل عمر المنتجات الموجودة بالفعل.
كما أن قياس الأثر البيئي للمبادرة سيتطلب بيانات توضح مقدار الملابس التي جرى إصلاحها أو إعادة استخدامها، ومدى انخفاض التخلص منها أو شراء بدائل جديدة نتيجة هذه الأنشطة.
وفي ظل الضغوط المتزايدة لخفض البصمة البيئية لصناعة الأزياء، تراهن مبادرة «ريستيتش ذا فيوتشر» على أن جعل إصلاح الملابس وتبادلها وإعادة استخدامها خيارات متاحة عمليًا أمام الناس قد يمثل خطوة مهمة نحو استهلاك أكثر استدامة.





