عندما ينظر العلماء إلى أعماق الفضاء، يصل ضوء النجوم إلى التلسكوبات بعد رحلة طويلة عبر الزمن، ما يسمح لهم بدراسة شكل الكون قبل مليارات السنين.
معظم الاكتشافات تتوافق مع النظريات الحالية، لكن أحيانًا يفاجئنا الكون. كشفت دراسة حديثة قادها باحثون كنديون عن حالة استثنائية: عنقود مجرّي مليء بغاز شديد الحرارة في مرحلة كان يُفترض أن يكون الكون فيها لا يزال شابًا جدًا.
وفقًا للنماذج الحالية، لا ينبغي أن توجد حرارة بهذا المستوى في مثل هذا الوقت المبكر، ما يشير إلى أن العناقيد المجرية الكبيرة ربما تكون قد تشكّلت أسرع وبشكل أكثر عنفًا مما كان يُعتقد سابقًا.
تركز الدراسة على عنقود مجرّي تم رصده بعد 1.4 مليار سنة فقط من الانفجار العظيم. في هذه المرحلة، كان يُتوقع أن تكون العناقيد أبرد وأقل تنظيمًا. ومع ذلك، أظهر هذا العنقود نشاطًا هائلًا، مما يدفع العلماء لإعادة النظر في نماذج تطور العناقيد.
عنقود مجري في مرحلة الطفولة
درس الفريق البحثي عنقودًا شابًا يُعرف باسم SPT2349-56. الضوء القادم منه سافر ما يقارب 12 مليار سنة، مما سمح لرصد العنقود في مراحله المبكرة.
حتى في هذه المرحلة المبكرة، يبدو العنقود ضخمًا ونشطًا للغاية. يحتوي SPT2349-56 على أكثر من 30 مجرة نشطة متجمعة في مساحة صغيرة جدًا، يمتد قلب العنقود نحو 500 ألف سنة ضوئية، وهو حجم مشابه للهالة المحيطة بمجرة درب التبانة.
تحدث عمليات تكوّن النجوم داخل هذا العنقود بسرعة مذهلة، حيث تتشكل النجوم الجديدة أسرع بخمس آلاف مرة من معدل تكوّن النجوم في مجرتنا. عادةً ما يظهر هذا النمو المتطرف في مراحل لاحقة من تاريخ الكون، ما يجعل النشاط المبكر للعنقود مفاجئًا بشكل خاص.
لرصد هذا العنقود البعيد، استخدم الفريق مصفوفة أتاكاما الميليمترية/الشبه ميليمترية (ALMA) في تشيلي، والتي تضم أدوات صمّمها وبناها المجلس الوطني للبحوث في كندا.
قياس حرارة الغاز المخفي
استخدم الباحثون تأثير سونياكيف-زيلدوفيتش لقياس طاقة حرارة الغاز الذي يملأ المساحات بين المجرات داخل العنقود. هذا الغاز، المعروف باسم الوسط داخل العنقودي، له تأثير كبير على تطوّر المجرات مع مرور الوقت.
تم اكتشاف درجات حرارة للغاز أعلى بكثير من المتوقع لنظام بهذه الصغر سنًا. كان الإشارة في البداية قوية لدرجة شككت العلماء في صحتها.
قال المؤلف الرئيسي للدراسة، دازهي تشو، طالب دكتوراه في جامعة كولومبيا البريطانية: “لم نتوقع رؤية جو عنقود بهذا السخونة في تاريخ الكون المبكر”، وأضاف: “بعد شهور من التحقق، تأكدنا أن الغاز ساخن بما لا يقل عن خمسة أضعاف المتوقع، وأكثر حرارة وطاقة من معظم العناقيد الحالية”.
الثقوب السوداء تُسخّن العنقود
الحرارة الشديدة من المحتمل أن تكون ناجمة عن ثقوب سوداء هائلة داخل العنقود. وقد تم التعرف على ثلاثة ثقوب سوداء بهذا الحجم داخل SPT2349-56.
تطلق هذه الأجسام طاقة هائلة أثناء سقوط المادة فيها، مما يسخّن الغاز المحيط ويعيد تشكيل البيئة المحيطة.
قال الدكتور سكوت تشابمان، المؤلف المشارك والدكتور في جامعة دالهاوزي: “هذا يظهر أن الكون المبكر كان يضخ كميات هائلة من الطاقة في البيئة المحيطة، ويشكل العنقود الشاب في وقت أبكر وبقوة أكبر مما توقعنا”.
تشير النماذج التقليدية إلى أن الغاز داخل العناقيد يسخن تدريجيًا بفعل الجاذبية، لكن النتائج الجديدة تُظهر عملية أسرع وأكثر انفجارية مدفوعة بنشاط الثقوب السوداء وتكوّن النجوم المكثف.
أهمية العناقيد المجرية
تستضيف العناقيد المجرية بعض أكبر المجرات في الكون. وفهم كيفية تكوّنها يساعد العلماء على تفسير نمو وتطور هذه المجرات الضخمة.
قال الدكتور تشابمان: “فهم العناقيد المجرية مفتاح لفهم أكبر المجرات في الكون”، وأضاف: “توجد هذه المجرات الضخمة غالبًا داخل العناقيد، وتشكّل البيئة القوية للعناقيد الدور الأكبر في تطورها، بما في ذلك الوسط داخل العنقودي”.
اتجاهات البحث المستقبلية
توضح هذه الاكتشافات أن عدة عمليات قوية يمكن أن تحدث معًا في وقت مبكر جدًا من تاريخ الكون: تكوّن النجوم، النشاط الهائل للثقوب السوداء، والغاز شديد الحرارة.
يخطط الفريق البحثي لدراسة كيفية تفاعل هذه العمليات مع بعضها البعض.
قال تشو: “نريد معرفة كيف يتفاعل تكوّن النجوم المكثف، والثقوب السوداء النشطة، والغلاف الجوي الساخن، وما الذي يمكن أن يخبرنا به ذلك عن تكوين العناقيد المجرية الحالية”.
مع استمرار دراسة الكون المبكر، تبرز مثل هذه الاكتشافات مدى المجهول، ومدى سرعة الكون في بناء أكبر هياكله.
