معضلة الطاقة في أفريقيا.. كيف تواجه القارة تحديات الأمن والمساواة والاستدامة؟

600 مليون بلا كهرباء.. هل تنجح أفريقيا في كسر قيود الفقر الطاقي؟

هل تنقذ الطاقة المتجددة أفريقيا من أزمة ثلاثية الأبعاد؟

يواجه قطاع الطاقة في أفريقيا تحديًا أساسيًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الأولويات الثلاث المتنافسة في معضلة الطاقة الثلاثية: أمن الطاقة، والعدالة الطاقية، والاستدامة البيئية.

وعلى الرغم من أن معضلة الطاقة تمثل إشكالية تواجهها مناطق عديدة حول العالم، فإنها تُعد أكثر إلحاحًا في أفريقيا، حيث يعيش أكثر من 600 مليون شخص بدون كهرباء،كما أن انقطاع التيار الكهربائي متكرر، ويترك تغير المناخ أثرًا بالغًا على حياة السكان واقتصاداتهم.

كل عنصر من عناصر المعادلة الثلاثية بالغ الأهمية: أمن الطاقة يعني توفير إمدادات مستقرة، والعدالة الطاقية تعني الوصول العادل والميسور، بينما الاستدامة البيئية تتطلب تقليل الانبعاثات وتقليص الأضرار البيئية. غير أن تحسين أحد هذه الجوانب قد يُضعف الآخرين، مما يستدعي إيجاد مسار تنموي يُقلل التنازلات ويُعظم القيمة طويلة الأجل لقطاع الطاقة في أفريقيا.

تفكيك معضلة الطاقة في أفريقيا:

1. العدالة الطاقية: من يحصل على الكهرباء ومن لا يحصل عليها؟

الوصول إلى الكهرباء في أفريقيا لا يزال غير متكافئ وغير كافٍ. تمثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى النسبة الأكبر من سكان العالم الذين يعانون من نقص الطاقة، إذ تسجل بعض المناطق معدلات كهربة تقل عن 5%. يؤثر هذا العجز على النمو الاقتصادي، وخلق الوظائف، والتعليم، والرعاية الصحية.
ورغم أن الطاقة الشمسية اللامركزية كانت مصدر المكاسب الرئيسية في توصيل الكهرباء، إلا أنها لا تكفي لتشغيل المصانع أو الخدمات كثيفة الاستهلاك للطاقة. ففي المناطق التي يفوق فيها النمو السكاني وتيرة تطوير الشبكة، ستستمر فجوات الوصول ما لم تُضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية.

أفريقيا تقود العالم في إمكانات الطاقة الشمسية

2. أمن الطاقة: هل يمكن أن تبقى الأضواء مضاءة؟

أنظمة الطاقة في أفريقيا تعاني من انعدام الموثوقية. يُولد أكثر من 75% من كهرباء القارة من الوقود الأحفوري (غاز، نفط، فحم)، وغالبية البنية التحتية للطاقة قديمة ومتهالكة، وتتفاقم المشكلة بنقص الاستثمار في محطات توليد جديدة، وأنظمة النقل، والصيانة.

في بعض الدول مثل تنزانيا، يصل معدل انقطاع الكهرباء إلى أكثر من 60 يومًا سنويًا، وفي بوروندي، يزيد عن 140 يومًا. يعتمد العديد من المصنّعين على مولدات الديزل المكلفة والملوثة وغير الفعالة، وأصبح استقرار الإمداد الكهربائي استثناءً، لا القاعدة.

الطاقة في أفريقيا

3. الاستدامة البيئية: المخاطر تتفاقم

 

رغم أن أفريقيا مسؤولة عن أقل من 4% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، فإنها تتحمل أكبر الأضرار المناخية:

فيضانات، وجفاف، وتصحر، وموجات حر. ويؤدي خطر المناخ إلى تقويض التقدم في الزراعة، والصحة، والحصول على المياه.
لدى القارة فرص واعدة في مصادر الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الشمسية، والرياح، والطاقة الكهرومائية، والحرارية الأرضية. ومع ذلك، لا تزال هذه المصادر غير مستغلة بالشكل الكافي بسبب عدة تحديات، منها:
• متطلبات رأسمالية مرتفعة
• صعوبات دمج الشبكات
• غياب أطر سياسية واضحة
• ضعف الحوافز للمستثمرين
دون إصلاحات هيكلية جادة، سيبقى تطوير الطاقة النظيفة بطيئًا، وسيستمر الاعتماد على الوقود الأحفوري.

التوزيع الجغرافي للمواد عبر أفريقيا

لمحات إقليمية:

شمال أفريقيا: البنية التحتية أولًا، والاستدامة لاحقًا
تعمل دول مثل مصر، والجزائر، وليبيا على زيادة إنتاجها من الطاقة.

وتخطط شركة “إيني” الإيطالية لاستثمار 26 مليار دولار في شمال أفريقيا خلال أربع سنوات. رغم تحسن الإمدادات، إلا أن الاعتماد ما زال قائمًا على الوقود الأحفوري، ودمج الطاقة المتجددة في الخطط الوطنية لا يزال محدودًا.

مجمع بنبان للطاقة الشمسية

– أفريقيا جنوب الصحراء: النقطة الساخنة للمعضلة

تعاني دول جنوب الصحراء من فقر حاد في الطاقة، ومشكلات في الموثوقية والتكلفة والاستدامة، فمثلًا، رغم أن نيجيريا أكبر منتج للنفط في أفريقيا، فإنها تعاني من أعطال مزمنة في الشبكة.

قانون الكهرباء الجديد (2023) يهدف إلى تشجيع الاستثمار الخاص ولامركزية التوليد، لكن عقبات التنفيذ وإمدادات الغاز ما زالت تعرقل التقدم.

شبكات صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية في نيجيريا

– شرق أفريقيا: نجاحات في الطاقة الحرارية

برزت كينيا وإثيوبيا في استغلال الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية، ما عزز الأمن والاستدامة.

لكن التمويل محدود، والمشاريع تحتاج وقتًا طويلًا، بينما لا تزال نقل الطاقة الإقليمي ضعيفًا ويحد من تجارة الطاقة العابرة للحدود.

تلال نجونج خارج نيروبي، كينيا- الثروة الحيوانية

فجوات الاستثمار واختناقات السياسات

رغم أن أفريقيا تمثل 20% من سكان العالم، فإنها لا تحظى إلا بـ 2% من الاستثمارات العالمية في الطاقة الخضراء. ويعود ذلك إلى:
• ارتفاع المخاطر السياسية والتنظيمية
• ضعف الجدارة الائتمانية للمرافق
• مشاريع غير قابلة للتمويل
• تقلبات العملة
• عمليات تصاريح معقدة وبطيئة
ورغم تعهد البنك الدولي بتوصيل الكهرباء لـ250 مليون أفريقي بحلول 2030 عبر الطاقة الشمسية خارج الشبكة، فإن هذا لا يعالج عدم استقرار الشبكة أو تغذية المناطق الصناعية.

ما تحتاجه أفريقيا هو استثمارات واسعة النطاق في التوليد، والنقل، والتخزين، والتوزيع الذكي.

صناعات المعادن الثمينة في الكونغو

المسارات الاستراتيجية: لا حلول سحرية.. بل مقايضات ذكية

حل معضلة الطاقة الثلاثية يتطلب اختيارات استراتيجية صعبة تختلف حسب السياق المحلي. ومع ذلك، هناك بعض المبادئ المشتركة:
1. التخطيط المتكامل: الربط بين توليد الطاقة والتصنيع، والتنسيق بين الجهات المعنية، واستناد القرارات إلى البيانات.
2. تنويع مزيج الطاقة: الدمج بين الغاز والطاقة الكهرومائية والحرارية، إلى جانب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتخزين.
3. توسيع البنية التحتية: تطوير الشبكات الكبيرة والصغيرة والذكية، مع التركيز على المناطق ذات الجدوى الاقتصادية.
4. إصلاح السياسات والتسعير: تبسيط الإجراءات، وتحديث العقود، وتسعير يعكس التكاليف مع حماية الفئات الهشة.
5. بناء القدرات المحلية: تدريب الكوادر، والاعتماد على الكفاءات الوطنية في التشغيل والصيانة والابتكار.
6. تقليل مخاطر الاستثمار الخاص: عبر الضمانات والتمويل المختلط، ومشاركة مؤسسات التنمية في تقاسم المخاطر.

التخزين والشبكات في مشروعات الطاقة المتجددة

الاستعجال دون ذعر

لن تتمكن أفريقيا من اتباع نموذج الطاقة الأوروبي أو الآسيوي، بل عليها أن تتعامل مع واقعها الخاص: ضعف الوصول، وبنية تحتية هشة، ونمو سكاني سريع، ومخاطر مناخية متزايدة.
معضلة الطاقة ليست نظرية، بل واقع يعيشه ملايين البشر. انقطاعات الكهرباء، وضعف التمويل، وفشل السياسات، كلها تحديات قائمة، لكن الفرص لا تزال متاحة.
إذا وُضعت استراتيجيات واضحة، ووجد الالتزام السياسي، وتم توجيه الاستثمارات بذكاء، يمكن لأفريقيا أن تبني منظومة طاقة تلبي احتياجات شعوبها، وتحمي بيئتها، وتُؤسس لنمو شامل ومستدام.

Exit mobile version