يختلف مفهوم العدالة المناخية عن الفكرة العامة لقيمة لعدالة فالعدلاة المناخية هي آلية تسيير جهود وتحقيق مسارات جديدة نحو التعامل مع مشكلات التغير المناخي بالشكل الذي يتناسب مع حجم المشكلة ومشاركة الدول التي تواجهها والعمل على الحد من آثارها وحفظ حقوق الاجيال القادمة بناء على ذلك .
ووفقا لما تقدم فان مفهوم العدالة المناخية عن مفهوم العدلاة المرتبط بالحقوق و الانصاف والفصل في النزاعات حيث ان العدالة المناخية ليست تطبيقا للفصل بين جهتين متنازعتين على حق أو أداء وانما هي فكرة مسئولية مشتركة بين عدة جهات بناء على مسئولية أخلاقية وسياسية وتاريخية تؤدي الى تشاركية الحل كذلك فلا منتصر ولا مهزوم في قاموس العدالة المناخية وانما مقدار المشاركة والفاعلية والتأثير بحسب المسئولية والامكانية هي ما تستدعي معايير العدالة في مشكلات تغير المناخ .
ولما كان مفهوم العدالة المناخية يستند الى أسس أخلاقية وسياسية وتاريخية بل وقانونية في بعض الأحيان، فان ذلك يخرج بهذه العدالة الى نطاقات أخرى قد لا تواجهها عدالة الفصل والانصاف وهي التأثر بالبعد السياسي والاستراتيجي وما يحدثه من تغيرات وتحيز ومفاضلة تتعدى فكرة التشاركي وتوحيد الجهود وأداء الأدوار والمسئوليات .
ومما لا شك فيه أنه عند التعرض للبعد السياسي فان مفاهيم القوة لا تغيب عن الأنظار فهي ليست الأساس ف يالعلاقات الدولية أو تنظيم المجتمع الدولية الا أنه ليس بخاف تأثيرها على هذه العلاقات وهي ما تحرزه من تفاوت في المصالح و التحالفات بل و القيم و الأعراف التي تتعامل بها الدول و المنظمات في المجتمع الدولي ، وأنها كذلك أحد المفاهيم المؤدية لى حل بعض النزاعات باستخدام آليات الحرب و التي يعترف بها المجتمع الدولي كوسيلة للتعامل مع النزاعات أو تطبيق العقوبات في المجتمع الدولي، اذن فان فكرة القوى و التحالفات وتأثير ذلك على المجتمع الدولي يؤثلا على سير المعترك السياسي والدولي وأن الدول و المنظمات الدولية وهي أفراد القانون الدولي العام والكيانات الفاعلة والمؤثرة فيه هي التي تستعين بموازين القوى والمصالح في تسيير هذه العلاقات الدولية وهي في نفس الوقت الكيانات الملقى على عاتقها تحقيق مفهوم العدالة المناخية الذي يستند الى خلفيات وأسس سياسية ، ومن ثم فان هناك علاقة مؤكدة بين موازين القوى وتحقيق العدالة المناخية .
ان تأثير مفهوم القوى على أسس العدالة المناخية ليس بحكم اللزوم تأثير سلبي وهو ما قد يتجه اليه الفكرة من الوهلة الأولى ، الا أنه كذلك يتعين النظر الى مفهوم القوى وتوازناتها في المجتمع الدولي ومدى تأثير هذه القوى على مسارات العلاقات الدولية المشتركة في العديد من المجالات وخاصة في مجال العدالة المناخية .
يتضح من تتبع الممارسات الدولية لاستخدام موازين القوى والتحكم في العلاقات الولية بناء عليها أنها مسألة جدية وتسترعي الانتباه دائما ليس لأن استخدام موازين القوى قد يعكس تهديدا بالحروب وجرائم الابادة و توتر العلاقات الدولية ، الا أن الأكثر جدية هي فكرة استخدام و توجيه هذه القوى التي تعتبر عاملا داعمل لأي دولة أو منظمة لمنع تحقيق نتيجة معينة أو لتحقيق ضغط عام عالمي بشأن موضوع ما أو تحريك عدة عوائق بشكل غير مباشر لاستمرارية مشكلة بعينهاو أن كل هذا بدون شك لا يمكن تحقيقه الا بمعاونة مصدر قوة عالمي يؤهل لذلك .
تعرضت مفاهيم العدالة المناخية الى العديد من نظريات و أسس العلاقات الدولية سياسيا او اقتصاديا و هي الأسس التي تغيرت من آن لآخر في تاريخ علاقات الدول ففي زمن الحربين العالميتين الأولى و الثانية في النصف الأول من القرن العشرين تربعت القوى العسكرية على موازين القوى و صار تقسيم الدول و تصنيفها يقوم على هذا الأساس و كذلك تحالفات الأصدقاء و الأعداء كذلك ، الا أن و بعد انتهاء الحرب العالمية الثالثة و في ظل نشأن منظمة الأمم المتحدة و تفعيلها لمبادئ حفظ السلم و الأمن لدوليين و العمل على حل النزاعات الدولية بطريقة سلمية و آمنة تراجعت القوى العسكرية و ظهرت ما تسمى بالحروب الباردة و هي المنافسات الاقتصادية و العلمية بين الدول و محاولة تحقيق السبق في هذه المجالات و التي تختلف عن الحقل العسكري و ربما استخدمتها بعد الدول لتحقيق مكاسب قد استعصت عليها وقت أن اعتمدت على القوة العسكرية فقط .
و مع حداثة ظهور مشكلات المناخ و الولوج الى أفكار العدالة المناخية و ما تعرضت له من بعد المسئولية التاريخية تبين أن نظريات توازن القوى هي المؤثر الرئيسي و المحرك الأول لكل الترسبات التاريخية التي وصلت حاليا الى منعطف التغير المناخي و ضرورات تحقيق العدالة المناخية ، بداية لا شك أن فكرة الأضرار التي لحقت بالعديد من الدول في النزاعات العسكرية و ما خلفته هذه النزاعات من آثار التدمير و القتل هو من بواعث بحث أصول المسئولية التاريخية عن هذه الأعمال و ما أسفرت عنه في مشكلات التغير المناخي و هو من المبادئ الأولى التي استقرت في مفاهيم العدالة المناخية .
و على جانب مواز و مع أنه في فترات الحروب الباردة و التنافس الصناعي و العلمي و الاقتصادي بين الدول لم يكون الصراع العسكري موجودات على نحو ملحوظ الا أن الأنشطة التي لجأ اليها الدول في سباقات التجارب النووية و التقدم الصناعي و التكنولوجي و استخدام مصادر الطاقة كان له أثر كذلك في تطور مشكلات التغير المناخي و هو ما حقق حلقة أخرى للوصل بين هذه التطورات و مفاهيم العدالة المناخية و التي تبلورت في صورة التشاركية و تحديد نسب المشاركة بقدر نسب التسبيب و التي كانت من أصعب المفاهيم التي تعاملت معها العدالة المناخية لصعوبة تحديد المتسبب المباشر في هذه النتائج و مع تحمل الدول لمسئوليتها تجاه ذلك لم نعرف مقدار المشاركة المطلوب من كل دولة لتحقيق العدالة المناخية .
ان التحركات السياسية و نظريات العلاقة الدولية و ما اسفرت عنه من تحديد موازين القوى و تطبيقات ذلك و كيفية استغلال هذه الموازين في العلاقات السياسية قد ألقت بظلالها على مشكلات التغير المناخي و مفاهيم العدالة المناخية بما يعتبر معه الآن الحديث عن العدالة المناخية هو أمر ذو طابع سياسي لا ينفك عن دراسة موازين القوى و قدرة القوى العالمية على تحقيق التشاركية وفقا لمفاهيم العدالة المناخية و أن فكرة العدالة المناخية لم تعد مقصورة على فكرة من يمكنه المشاركة بأي قدر لتسببه في ذلك ، و انما صار الأمر شموليا لجميع المجهودات التي قد تستغل فيها موازين القوى لحقيق هذه العدالة المناخية و هي من السبل المؤدية لحلول مشكلات التغير المناخي ، و ذلك كأي علاقة دولية أخرى كالحروب و السباقات الاقتصادية و العسكرية التي ربما كانت أقوى أسباب حدوث مشكلات التغير المناخي .
