العدس الأرخص والتوفو الأقل تأثيرًا بيئيًا.. ما أفضل مصادر البروتين للصحة والبيئة؟

من اللحم البقري إلى البقوليات.. كيف تختلف البصمة البيئية لمصادر البروتين؟

قد لا يعتمد اختيار أفضل مصادر البروتين على قيمتها الغذائية أو سعرها وحدهما، إذ تلعب الموارد اللازمة لإنتاجها، مثل المياه والأراضي، والانبعاثات الناتجة عن سلاسل الإمداد الغذائي، دورًا مهمًا في تحديد أثرها في البيئة. وتكشف دراسة جديدة قارنت 20 نوعًا من الأغذية الغنية بالبروتين أن التوفو جاء في المرتبة الأولى، بينما حل جبن الشيدر في المرتبة الأخيرة، وتصدر العدس قائمة الخيارات الأقل تكلفة.

وأعد كريس ماكدونالد، من كلية لوسي كافنديش بجامعة كامبريدج، هذا التقييم من خلال معهد «بيتر بروتين» (Better Protein Institute)، مستندًا إلى بيانات غذائية وبيئية واقتصادية منشورة سابقًا، بهدف مقارنة مصادر البروتين وفق مجموعة من المعايير تشمل التغذية والتكلفة والأثر البيئي.

ونُشرت الدراسة في دورية «فرونتيرز إن ساستينابل فود سيستمز» (Frontiers in Sustainable Food Systems).

الشيدر في المرتبة الأخيرة.. لماذا؟

يحتوي جبن الشيدر على البروتين، لكنه يوفر معه أيضًا كميات من الدهون المشبعة، وهي نقطة أخذها التقييم في الاعتبار عند مقارنة الأغذية المختلفة.

ولإجراء مقارنة موحدة، حسب ماكدونالد الكميات اللازمة من كل غذاء لتوفير 3.5 أونصة، أي نحو 100 جرام من البروتين الفعلي، وليس 100 جرام من الطعام نفسه. ويعني ذلك أن المقارنة تستند إلى كمية متساوية من البروتين، حتى لو اختلف وزن الحصة الغذائية المطلوبة للحصول عليها.

وبحسب الحسابات، ارتبط الحصول على 100 جرام من البروتين من الشيدر بنحو 85 جرامًا من الدهون المشبعة، وهي أعلى كمية بين الأغذية التي شملها التقييم. في المقابل، وفر سمك القد الكمية نفسها من البروتين مع أقل من نصف جرام من الدهون المشبعة.

كما احتوت جبنة الموزاريلا على صوديوم أكثر بكثير من الفاصوليا، في حين خلت جميع الأغذية النباتية التي شملتها المقارنة من الكوليسترول.

وتوضح هذه المقارنات أن تقييم مصادر البروتين لا يتوقف عند كمية البروتين التي يوفرها الغذاء، بل يشمل أيضًا العناصر الغذائية الأخرى المصاحبة له.

لماذا تفوق التوفو بيئيًا؟

حقق التوفو، المصنوع أساسًا من فول الصويا، أفضل النتائج البيئية في التقييم، بسبب انخفاض الموارد والانبعاثات المرتبطة بإنتاجه مقارنة بعدد من المصادر الحيوانية، خصوصًا اللحم البقري.

وعند حساب الانبعاثات اللازمة لإنتاج 100 جرام من البروتين، بلغت البصمة المقدرة للتوفو نحو 1.3 رطل، أي قرابة 0.6 كيلوجرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مقابل نحو 142 رطلًا، أو 64.4 كيلوجرام، للبروتين المستمد من اللحم البقري.

وبذلك تجاوزت انبعاثات اللحم البقري نظيرتها للتوفو بأكثر من 100 مرة وفق المقارنة المستخدمة في الدراسة، كما كانت أعلى بكثير من انبعاثات لحم الضأن والجبن.

وظهر الفرق أيضًا في استخدام الأراضي. فقد احتاج إنتاج 100 جرام من البروتين من اللحم البقري إلى نحو 2275 قدمًا مربعة من الأراضي، بينما احتاج التوفو إلى نحو 23 قدمًا مربعة فقط، وفق تقديرات التقييم.

واستند ماكدونالد في البيانات البيئية إلى دراسة سابقة شملت 57 ألف منتج غذائي، وتناولت انبعاثات غازات الدفيئة واستخدام المياه العذبة وتلوث المياه.

وبناءً على المعايير البيئية المتاحة، حصل التوفو على جميع النقاط المخصصة لهذا الجانب، بإجمالي 16 نقطة، بينما حصل اللحم البقري على نقطة واحدة فقط.

العدس أرخص مصادر البروتين في المقارنة

من حيث التكلفة، جاء العدس في المرتبة الأولى باعتباره أرخص مصدر للبروتين ضمن الأغذية التي شملها التقييم، بينما كان الكينوا الأغلى.

وتبرز هذه النتيجة أهمية التمييز بين اختيار الأغذية النباتية عمومًا واختيار نوع محدد منها؛ فليس كل مصدر نباتي للبروتين منخفض التكلفة بالضرورة، كما أن السعر الذي يظهر على العبوة لا يكفي وحده لتحديد القيمة الاقتصادية للغذاء.

وللمقارنة بصورة أكثر عدالة، فحص ماكدونالد الأسعار في متاجر «ألدي» البريطانية، وحسب تكلفة الحصول على كمية متساوية من البروتين من كل غذاء، بدلًا من الاكتفاء بمقارنة أسعار العبوات أو الحصص المختلفة في الوزن.

ومع ذلك، فإن هذه الأسعار تعكس السوق البريطانية، ولا يمكن تعميمها مباشرة على البلدان الأخرى، إذ تتأثر تكلفة الغذاء وتوافره بعوامل تشمل الدعم الحكومي، والسياسات التجارية، وتوزيع المتاجر وإمكانية الوصول إليها.

مصادر البروتين

الأغذية النباتية تتصدر.. لكن لكل منها نقاط قوة وضعف

احتلت أربعة أغذية نباتية المراكز الأربعة الأولى في الترتيب: التوفو، وبذور الشيا، والفاصوليا، والكينوا.

وفي المقابل، جاءت الموزاريلا ولحم الضأن واللحم البقري وجبن الشيدر في المراكز الأربعة الأخيرة، بما يعني وجود نوعين من الجبن ونوعين من اللحوم الحمراء ضمن المجموعة الأدنى تقييمًا.

لكن النتائج لا تعني أن جميع الأغذية النباتية تتفوق في كل معيار. فقد احتاجت المكسرات إلى أكبر كمية من المياه العذبة لتوفير 100 جرام من البروتين، بنحو 590 جالونًا، بينما احتاجت الفاصوليا إلى كمية ضئيلة للغاية وفق البيانات المستخدمة في الدراسة.

كما جاءت المكسرات البرازيلية ضمن المجموعة الأسوأ من حيث الدهون المشبعة، في حين ظهرت الفاصوليا بين الأفضل في هذا الجانب.

وتكشف هذه الاختلافات أن الغذاء نفسه قد يحقق نتيجة جيدة في معيار، وأخرى أقل جودة في معيار مختلف. فالأغذية التي تتفوق في كفاءة استخدام المياه ليست بالضرورة الأرخص، كما أن انخفاض الانبعاثات لا يعني تلقائيًا انخفاض الدهون المشبعة أو ارتفاع جودة جميع العناصر الغذائية.

هل يجب أن يحتوي البروتين على الأحماض الأمينية التسعة؟

تضمن التقييم معيارًا إضافيًا يتعلق بما إذا كان الغذاء يوفر بروتينًا كاملًا، أي يحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية التسعة التي يحتاج إليها الجسم ولا يستطيع إنتاجها بكميات كافية، ولذلك يجب الحصول عليها من الطعام.

وحصلت الأغذية التي استوفت هذا الشرط على أربع نقاط، بينما لم تحصل الأغذية الأخرى على نقاط في هذا المعيار. وجاء التوفو ضمن الأغذية التي استوفت الشرط، وكذلك جميع الأغذية الحيوانية التي شملتها المقارنة، في حين لم تستوفِ معظم الأغذية النباتية الأخرى المعيار نفسه عند تقييم كل غذاء منفردًا.

لكن ماكدونالد أقر بأن هذا الأسلوب قابل للنقاش؛ فالأشخاص الذين يتناولون مزيجًا متنوعًا من البروتينات النباتية يمكنهم الحصول على الأحماض الأمينية الأساسية التسعة، حتى إذا لم يوفر كل مصدر نباتي منفرد جميعها بالنسب المطلوبة.

وبالتالي، فإن تقييم كل غذاء على حدة قد لا يعكس بصورة كاملة ما يوفره النظام الغذائي المتنوع من عناصر غذائية. كما أن الدراسة تقارن أغذية منفردة وفق مجموعة محددة من المؤشرات، ولا تختبر وجبات متكاملة أو تتابع التغيرات الصحية الفعلية لدى الأشخاص الذين يتناولونها.

التوفو حصل على 36 نقطة من 40

حصل التوفو على 36 نقطة من أصل 40 نقطة ممكنة، مقارنة بـ13 نقطة لجبن الشيدر. كما تصدر تقييم الفوائد المتعلقة بالإنسان بحصوله على 20 نقطة، بينما جاء لحم الضأن في المرتبة الأخيرة ضمن هذه الفئة، بإجمالي 10 نقاط.

وخصص التقييم 24 نقطة ممكنة للمعايير المتعلقة بالتغذية وجودة البروتين والسعر والتوافر، مقابل 16 نقطة للمعايير البيئية. وهذا يعني أن الجانب المرتبط بالإنسان كان له وزن أكبر من الجانب البيئي في النتيجة الإجمالية.

وفي معظم المؤشرات، وزع ماكدونالد الأغذية على خمس فئات، تحصل أفضلها على أربع نقاط، بينما تحصل الفئة الأسوأ على صفر.

لكن هذا النظام قد يخفي الفروق الفعلية بين بعض الأغذية. فعلى سبيل المثال، حصل اللحم البقري على صفر في تقييم الانبعاثات لأنه يقع ضمن الفئة الأسوأ، وهو ما لا يعكس وحده حجم الفارق الكبير بين انبعاثاته وانبعاثات بعض الأغذية الأخرى التي قد تقع في الفئة نفسها.

وأشار ماكدونالد إلى أن نظام الدرجات الحالي لا يُظهر جميع هذه الفروق بدقة، موضحًا أن العمل جارٍ على تطوير نسخة ثانية تستخدم نطاقًا أوسع للتقييم.

جوانب بيئية وأخلاقية لم يشملها التقييم

هناك عوامل أخرى لم تدخل في الحسابات، منها رفاهية الحيوانات، ومقاومة المضادات الحيوية المرتبطة بتربية الماشية، والأمراض التي يمكن أن تنتقل من الحيوانات إلى البشر.

كما لم يتناول التقييم بصورة مباشرة الاستخدامات البديلة التي يمكن أن تخصص لها الأراضي المستخدمة في إنتاج الأغذية.

ويرى ماكدونالد أن إدراج رفاهية الحيوانات والاستخدامات البديلة للأراضي قد يعزز ترتيب الأغذية النباتية في نسخة مستقبلية من التقييم، لكن ذلك يظل توقعًا بشأن نتائج محتملة، وليس استنتاجًا أثبتته الدرجات الحالية.

وتوضح المقارنة أن اختيار مصادر البروتين يمكن أن يتغير عندما تؤخذ عدة أولويات في الاعتبار معًا؛ فالعدس هو الأرخص ضمن الأغذية التي شملتها الدراسة، والكينوا هي الأغلى، بينما لم تمنح القيمة الغذائية للشيدر أو احتواؤه على بروتين كامل أفضلية كافية لإخراجه من المراكز الأربعة الأخيرة.

أما التوفو، فقد تصدر الترتيب الإجمالي لأنه حقق نتائج قوية عبر مجموعة من المعايير الغذائية والاقتصادية والبيئية، وليس بسبب تفوقه في عامل واحد فقط.

↑
Exit mobile version