مشاهدة الشاشات مبكرًا قد ترتبط بزيادة أعراض التوحد وفرط الحركة لدى الأطفال

التعرض للشاشات قبل سن عامين قد يؤثر في تطور الدماغ الحسي.. سلوكيات مرتبطة بالتوحد واضطراب فرط الحركة

كشفت دراستان حديثتان أجراهما باحثون في جامعة دريكسل الأميركية وجامعة فوكوي اليابانية عن مؤشرات مقلقة بشأن تأثير وقت الشاشة على الأطفال الرضع والصغار.

وتشير النتائج إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للتلفزيون أو مقاطع الفيديو في سن مبكرة قد يُظهرون سلوكيات حسية غير نمطية، كما قد يواجهون صعوبة في معالجة المؤثرات الحسية المحيطة بهم.

وتشمل هذه السلوكيات الحسية غير النمطية الانسحاب أو ضعف التفاعل، أو البحث عن مستويات أعلى من التحفيز الحسي، أو الشعور بالإرهاق نتيجة مؤثرات مثل الأصوات المرتفعة أو الأضواء الساطعة.

ما المقصود بالسلوك الحسي غير النمطي؟

يشير السلوك الحسي غير النمطي إلى الطرق غير المعتادة التي يدرك بها الأفراد المعلومات الحسية ويتفاعلون معها.

ويكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة في سياق اضطرابات النمو العصبي، مثل اضطراب طيف التوحد. كما قد يظهر أيضًا لدى المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو بعض اضطرابات القلق.

وغالبًا ما يظهر هذا النوع من السلوكيات في شكل حساسية مفرطة أو حساسية منخفضة تجاه المؤثرات الحسية.

فالأطفال الذين يعانون من حساسية مفرطة قد يجدون بعض الأصوات أو الأضواء أو الملمس أو الروائح مزعجة أو مرهقة. فعلى سبيل المثال، قد يسبب صوت الإضاءة الفلورية أو ملمس بعض الأقمشة شعورًا واضحًا بعدم الارتياح أو القلق.

في المقابل، قد يسعى الأطفال ذوو الحساسية المنخفضة إلى تجارب حسية أقوى، مثل الأصوات العالية أو الأضواء الساطعة أو الضغط الجسدي العميق، في محاولة لتحفيز جهازهم الحسي الأقل استجابة.

طفل صغير يجلس أمام شاشة تلفزيون مضيئة في غرفة مظلمة

وقد نُشرت الدراستان في مجلة JAMA Pediatrics العلمية.

وقت الشاشة للأطفال دون عامين

أظهرت نتائج الدراسة أن الأطفال الذين تعرضوا للشاشات في سن مبكرة كانوا أكثر عرضة لتطوير سلوكيات حسية معينة بحلول عمر 33 شهرًا.

وشملت هذه السلوكيات البحث عن التحفيز الحسي، وتجنب بعض المؤثرات الحسية، إضافة إلى ما يعرف بـ«انخفاض الاستجابة الحسية»، أي بطء أو ضعف الاستجابة للمؤثرات.

وتوضح الدكتورة كارين هيفلر، الأستاذة المشاركة في الطب النفسي بجامعة دريكسل والمؤلفة الرئيسية للدراسة، أن لهذه النتائج دلالات مهمة فيما يتعلق باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والتوحد، حيث يكون اضطراب معالجة المعلومات الحسية أكثر شيوعًا.

وقالت هيفلر إن هذا الارتباط قد يحمل آثارًا مهمة لفهم هذه الاضطرابات، موضحة أن السلوكيات المتكررة التي تظهر لدى المصابين بالتوحد ترتبط غالبًا باضطرابات في معالجة المدخلات الحسية.

وأضافت أن الدراسات المستقبلية قد تكشف ما إذا كان التعرض المبكر للشاشات يمكن أن يسهم في زيادة الترابط العصبي المرتبط بالاستجابات الحسية في أدمغة الأطفال المصابين بالتوحد.

طفل صغير يجلس أمام شاشة تلفزيون مضيئة في غرفة مظلمة

كيف أُجريت الدراسة؟

ركزت الدراسة على الأطفال الذين تعرضوا لمشاهدة التلفزيون لفترات أطول قبل بلوغهم عامين.

وقيّم الباحثون مهارات معالجة المعلومات الحسية باستخدام مقياس يُعرف باسم «ملف المعالجة الحسية للرضع والأطفال الصغار»، وهو أداة تستخدم لتقييم كيفية استجابة الأطفال للمؤثرات الحسية المختلفة مثل السمع والبصر واللمس والتذوق.

ويقيس هذا المقياس أنماط السلوك الحسي لدى الأطفال، بما في ذلك:

وبناءً على تكرار هذه السلوكيات، يحصل الأطفال على تصنيفات ضمن مستويات «طبيعية» أو «مرتفعة» أو «منخفضة».

طفل صغير يجلس أمام شاشة تلفزيون مضيئة في غرفة مظلمة

نتائج لافتة للباحثين

حلل فريق البحث بيانات تعود إلى الفترة بين عامي 2011 و2014 ضمن «الدراسة الوطنية للأطفال» في الولايات المتحدة، والتي شملت 1471 طفلًا، نصفهم تقريبًا من الذكور.

واعتمد قياس التعرض للشاشات عند أعمار 12 و18 و24 شهرًا على إجابات مقدمي الرعاية.

وأظهرت النتائج ما يلي:

وقد أخذت الدراسة في الاعتبار عوامل أخرى قد تؤثر في النتائج، مثل العمر والولادة المبكرة ومستوى تعليم مقدمي الرعاية والخلفية العرقية، إضافة إلى أنشطة الطفل مثل اللعب أو المشي مع أحد الوالدين.

طفل صغير يجلس أمام شاشة تلفزيون مضيئة في غرفة مظلمة

آثار أوسع على نمو الأطفال

تضيف هذه النتائج إلى قائمة متزايدة من المشكلات الصحية والنمائية التي ربطتها دراسات سابقة بزيادة وقت الشاشة لدى الأطفال الصغار.

وتشمل هذه المشكلات:

وفي حالات اضطراب طيف التوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، قد يؤدي اضطراب المعالجة الحسية إلى التهيج وفرط النشاط ومشكلات في النوم أو الأكل، إضافة إلى صعوبات اجتماعية وقلق وانخفاض جودة الحياة.

طفل صغير يجلس أمام شاشة تلفزيون مضيئة في غرفة مظلمة

توصيات الخبراء

تشير النتائج إلى أن تقليل وقت الشاشة قد يكون مفيدًا للأطفال الذين تظهر لديهم هذه الأعراض، خاصة عند دمجه مع تدريبات لمعالجة المعلومات الحسية يقدمها مختصون في العلاج الوظيفي.

وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بتجنب تعرض الأطفال للشاشات قبل سن 18 إلى 24 شهرًا، مع استخدام محدود للوسائط الرقمية للأطفال بين عامين وخمسة أعوام.

كما يؤكد الباحثون أن توعية الآباء وتدريبهم يمثلان عنصرًا أساسيًا للحد من تعرض الأطفال الصغار للشاشات.

طفل صغير يجلس أمام شاشة تلفزيون مضيئة في غرفة مظلمة

الحاجة إلى مزيد من الدراسات

ورغم التحذيرات المتزايدة، تشير البيانات إلى أن الأطفال الصغار يشاهدون الشاشات بكثرة.

ففي الولايات المتحدة، كان الأطفال دون سن عامين يقضون في المتوسط ثلاث ساعات وثلاث دقائق يوميًا أمام الشاشات عام 2014، مقارنة بساعة واحدة و19 دقيقة فقط عام 1997.

كما أشارت دراسات أخرى إلى أن بعض الآباء يلجؤون إلى الشاشات بسبب الإرهاق أو نقص البدائل الميسورة لرعاية الأطفال.

وركزت الدراسة الحالية على مشاهدة التلفزيون أو أقراص الفيديو الرقمية فقط، دون احتساب المحتوى الذي يشاهده الأطفال عبر الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية.

ويؤكد الباحثون الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم الآليات التي تربط بين التعرض المبكر للشاشات واضطرابات المعالجة الحسية لدى الأطفال.

Exit mobile version