الإقلاع الكامل أفضل من التحول للفيب.. دراسة تحذر من مخاطر النيكوتين على القلب

القلب لا يحصل على «جواز مرور» مع النيكوتين.. دراسة تدعو لتنظيم جميع منتجاته

رغم طرح السجائر الإلكترونية والتبغ المسخن وأكياس النيكوتين خلال السنوات الأخيرة باعتبارها بدائل أكثر أمانًا للسجائر التقليدية، تشير مراجعة علمية جديدة إلى أن النيكوتين نفسه يمكن أن يضر الأوعية الدموية، وأن منتجات النيكوتين المختلفة لا تخلو من المخاطر على القلب والأوعية.

وأجرى توماس مونتسل، طبيب القلب في المركز الطبي الجامعي بمدينة ماينز الألمانية، المراجعة بالتعاون مع فيليبو كريا من مستشفى جيميلي إيزولا في روما، من خلال جمع ومقارنة نتائج الدراسات المختبرية ومؤشرات الدم وسجلات المرضى المتعلقة بمختلف منتجات النيكوتين.

ولم تتضمن الدراسة تجربة جديدة على البشر، وإنما جمعت الأدلة المتاحة التي كانت تُدرس في السابق بشكل منفصل.

وخلص الباحثون إلى أن الإقلاع الكامل عن النيكوتين هو الخيار الوحيد الذي لم يرتبط بخطر مقاس على القلب والأوعية الدموية، بينما تتفاوت درجة الضرر بين المنتجات.

ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Reviews Cardiology.

السجائر الإلكترونية

النيكوتين يضر الأوعية بطريقتين

يتكون الوعاء الدموي من طبقتين أساسيتين تؤديان أدوارًا مختلفة؛ الأولى هي بطانة الأوعية الدموية، وهي طبقة من الخلايا تتحكم في قدرة الوعاء على التمدد والانقباض، والثانية طبقة من العضلات المحيطة به تساعد على تغيير قطره.

ويؤثر النيكوتين في كلتا الطبقتين.

فعلى مستوى بطانة الأوعية، يقلل النيكوتين إنتاج البروستاسيكلين، وهي مادة تساعد على ارتخاء الأوعية وتحد من تجمع الصفائح الدموية.

وفي الوقت نفسه، يحفز إفراز الإندوثيلين-1، وهو أحد أقوى الهرمونات التي تسبب تضيق الأوعية الدموية في الجسم.

أما في الطبقة العضلية المحيطة بالوعاء، فيعمل النيكوتين على تعطيل قنوات البوتاسيوم التي تحتاجها العضلات للاسترخاء، كما يؤثر في طريقة تعامل الخلايا العضلية مع الكالسيوم.

وبذلك يمكن للنيكوتين أن يؤدي إلى تضييق الأوعية مباشرة، بالتزامن مع إضعاف الآليات التي تساعد بطانتها على مقاومة هذا التضيق.

وقال مونتسل إن النيكوتين لا يعطل البطانة الواقية للأوعية فحسب، وإنما يعمل أيضًا بصورة مباشرة على شد العضلات المحيطة بها.

السجائر التقليدية في مقدمة المخاطر

عند مقارنة المنتجات المختلفة، وجد الباحثون نمطًا متشابهًا في الأدلة المختبرية ومؤشرات الدم والنتائج الصحية لدى المرضى.

وجاءت السجائر ومنتجات التبغ المحترق، بما فيها الشيشة، في أعلى مستوى من الضرر، تليها منتجات التبغ المسخن، ثم السجائر الإلكترونية، ثم منتجات النيكوتين الفموية مثل السنوس وأكياس النيكوتين.

أما الامتناع عن استخدام النيكوتين، فلم يرتبط بالخطر المقاس نفسه.

وتبرز الشيشة بشكل خاص بسبب طول جلسة التدخين وحجم الدخان المستنشق؛ فخلال جلسة تستمر بين 45 و60 دقيقة، يمكن أن يستنشق المستخدم نحو 90 لترًا من الدخان، أي ما يعادل تقريبًا 100 إلى 200 ضعف كمية الدخان التي تنتج عن سيجارة واحدة.

كيف يقيس العلماء ضرر الأوعية؟

اعتمدت الدراسات التي راجعها الباحثون، من بين مؤشرات أخرى، على قياس قدرة الشريان على التوسع استجابة لزيادة تدفق الدم.

ويُعد هذا المؤشر وسيلة مهمة لتقييم وظيفة بطانة الأوعية الدموية.

وأظهر تحليل تجميعي نُشر عام 2024 وشمل 14 مجموعة من المرضى أن توسع الأوعية كان أضعف بنحو 3.15 نقاط مئوية لدى المدخنين الحاليين مقارنة بالأشخاص الذين لا يدخنون.

ويرى مونتسل وكريا أن الأدلة المتاحة تشير إلى وجود تدرج في الضرر بين منتجات النيكوتين، لكن لا يوجد منتج يمكن اعتباره خاليًا تمامًا من المخاطر القلبية الوعائية.

التحول الكامل أفضل من الاستخدام المزدوج

لا يعني ذلك أن الانتقال من السجائر التقليدية إلى منتج آخر لا يحقق أي فائدة.

فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2024 وتابعت قرابة 18 ألف مريض خضعوا لتوسيع شريان تاجي مسدود أن الأشخاص الذين أقلعوا عن التدخين تمامًا، وكذلك الذين تحولوا إلى استخدام السجائر الإلكترونية وحدها، سجلوا مشكلات قلبية كبرى أقل من أولئك الذين استمروا في التدخين خلال فترة متابعة بلغت نحو 2.4 عام.

لكن الأشخاص الذين استمروا في تدخين السجائر مع استخدام السجائر الإلكترونية في الوقت نفسه لم يحصلوا على الفائدة نفسها.

وظلت مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي لديهم أقرب إلى مستويات المدخنين منها إلى مستخدمي السجائر الإلكترونية وحدها، كما لم يظهر لديهم انخفاض واضح في المشكلات القلبية الكبرى.

وتشير هذه النتائج إلى أهمية التمييز بين التحول الكامل من السجائر إلى منتج آخر وبين استخدام المنتج الجديد إلى جانب التدخين التقليدي.

الخطر أكثر أهمية لدى من تعرضوا لأزمة قلبية

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لدى الأشخاص الذين سبق أن تعرضوا لأضرار قلبية.

فقد تابعت دراسة من سجل سويدي 43,389 شخصًا أصيبوا مؤخرًا بنوبة قلبية، ووجدت أن الذين استمروا في استخدام السنوس بعد الإصابة كانوا أكثر عرضة للوفاة مقارنة بمن توقفوا عن استخدامه، سواء من جميع الأسباب أو بسبب أمراض القلب تحديدًا.

وفي كلتا الدراستين، كانت النتائج الأفضل مرتبطة بالأشخاص الذين توقفوا عن الاستخدام، وليس بمجرد الانتقال من منتج نيكوتين إلى آخر.

انتشار أكياس النيكوتين يثير مخاوف جديدة

تزداد أهمية هذه القضية مع انتشار منتجات النيكوتين الجديدة بين أشخاص لم يسبق لهم تدخين السجائر.

وارتفعت نسبة استخدام السجائر الإلكترونية بين طلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة من 1.5% عام 2011 إلى 16% عام 2015، فيما تشير بيانات أوروبية إلى أن ما يصل إلى 40% من المراهقين أبلغوا عن تجربة السجائر الإلكترونية.

كما ارتفعت مبيعات أكياس النيكوتين المنكهة بأكثر من 300% منذ عام 2019.

ووفق المراجعة، فإن ما يصل إلى 75% من الشباب البالغين في الولايات المتحدة الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية لم يدخنوا سيجارة من قبل.

ويرى الباحثون أن هذا النمط يثير احتمال تحول بعض المنتجات الجديدة من أدوات محتملة للمساعدة على الابتعاد عن التدخين إلى بوابة لاكتساب الاعتماد على النيكوتين لدى أشخاص لم يستخدموه سابقًا.

السجائر الإلكترونية في المناجر

أكياس النيكوتين تحمل مشكلات إضافية

تُعد أكياس النيكوتين من أقل أجزاء سوق النيكوتين تنظيمًا، وفق الباحثين.

وفي اختبار شمل 44 علامة تجارية من أكياس النيكوتين الاصطناعية، احتوت 24 علامة على النتروزامينات الخاصة بالتبغ، وهي مواد كيميائية مرتبطة بالسرطان.

كما أن بعض المنكهات المستخدمة في هذه المنتجات لا تخضع للتنظيم بصورة كاملة.

ويشير الباحثون إلى أن الأجهزة والمنتجات الحديثة يمكن أن توصل جرعات مرتفعة من النيكوتين، ما قد يؤدي إلى تكوين الاعتماد عليه في سن مبكرة، بينما لا يزال العلماء يدرسون الآثار طويلة المدى للنيكوتين على الدماغ.

الحاجة إلى تنظيم النيكوتين وليس التبغ فقط

تتفق جهات صحية وقلبية دولية، بينها الاتحاد العالمي للقلب ومنظمة الصحة العالمية والجمعية الأوروبية لأمراض القلب وجمعية القلب الأمريكية، على أن منتجات النيكوتين المختلفة ليست خالية من المخاطر على القلب والأوعية الدموية.

لكن الباحثين يرون أن التشريعات لا تزال في كثير من الحالات تركز على أوراق التبغ ومنتجاتها التقليدية، بينما تظهر منتجات جديدة تعتمد على النيكوتين المصنع أو المستخلص في صورة أكياس وأجهزة ومنتجات مسخنة.

ولهذا يقترح مونتسل وكريا إعادة صياغة النهج التنظيمي بحيث يكون النيكوتين نفسه محور التنظيم، وليس التبغ فقط.

ويشمل ذلك، بحسب الباحثين، توحيد القيود على المنكهات والتسويق بين مختلف فئات منتجات النيكوتين، وإضافة تحذيرات واضحة بشأن مخاطرها على القلب والإدمان، بدل التركيز شبه الكامل في التحذيرات الحالية على مخاطر السرطان المرتبطة بالدخان.

البيانات طويلة المدى عن الفيب لا تزال محدودة

رغم تزايد استخدام السجائر الإلكترونية، ما زالت هناك فجوة كبيرة في البيانات المتعلقة بآثارها القلبية على المدى الطويل.

فمعظم مستخدمي السجائر الإلكترونية لفترات طويلة كانوا مدخنين سابقين، ما يجعل من الصعب تحديد مقدار تصلب الشرايين أو الضرر الوعائي الذي يمكن نسبته إلى السجائر الإلكترونية وحدها.

كما لم تُجرَ حتى الآن متابعة طويلة بما يكفي لأعداد كبيرة من الأشخاص الذين لم يستخدموا النيكوتين من قبل ثم بدأوا استخدام السجائر الإلكترونية أو أكياس النيكوتين، بحيث يمكن قياس معدلات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية بدل الاعتماد فقط على المؤشرات الحيوية.

ولهذا يدعو الباحثون إلى إجراء دراسات طويلة الأمد تشمل أشخاصًا لم يسبق لهم استخدام النيكوتين، وبأعداد كافية ومدة متابعة تسمح بتحديد المخاطر القلبية الفعلية.

وحتى تتوافر هذه البيانات، تظل الكلفة القلبية طويلة المدى للاستخدام المستمر للسجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين غير محددة بدقة، لكن الأدلة الحالية لا تدعم اعتبار أي منتج نيكوتين خيارًا خاليًا من المخاطر على القلب والأوعية الدموية.
تاجات SEO

Exit mobile version