قد لا تبدأ العوامل المرتبطة بالصحة النفسية في مرحلة البلوغ، بل ربما تمتد جذورها إلى فترة الحمل والسنوات الأولى من الحياة.
وتشير دراسة جديدة إلى وجود ارتباط بين انخفاض التعرض للسكر خلال أول 1000 يوم من الحياة، من الحمل وحتى نحو عامين من العمر، وانخفاض معدل تشخيص اضطرابات القلق بعد عقود.
ونُشرت الدراسة في دورية Translational Psychiatry، واعتمد الباحثون على فترة تاريخية نادرة في بريطانيا، عندما كان تقنين الغذاء والسكر في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية ينتهي تدريجيًا، ما أدى إلى اختلافات في تعرض أشخاص ولدوا خلال سنوات متقاربة لكميات السكر المتاحة لهم في بداية حياتهم.
نافذة نادرة لدراسة التغذية المبكرة
استخدم الباحثون بيانات UK Biobank، وهي قاعدة بيانات صحية واسعة، لتحليل سجلات 46,448 شخصًا ولدوا بين عامي 1951 و1956.
وكانت بريطانيا في ذلك الوقت تقترب من إنهاء نظام تقنين الغذاء، ولذلك كان أشخاص ولدوا بفارق بضعة أشهر فقط قد تعرضوا لمستويات مختلفة من توافر السكر.
بعض المشاركين عاشوا فترة التقنين أثناء وجودهم في الرحم فقط، بينما استمر التقنين لدى آخرين لنحو 6 أو 12 أو 18 أو 24 شهرًا بعد الولادة.
كما شملت الدراسة مجموعات مقارنة وُلدت بعد انتهاء تقنين السكر.
وأتاح هذا الظرف التاريخي للباحثين مقارنة مستويات مختلفة من التعرض المحتمل للسكر خلال مرحلة مبكرة وحساسة من النمو، وهي مقارنة يصعب تنفيذها في الوقت الحالي من خلال تجربة مقصودة.
لماذا تعد أول 1000 يوم مهمة؟
قاد الدراسة د. هانا إف. نافراتيلوفا، من جامعة IPB في إندونيسيا حاليًا، وكانت قد أجرت البحث أثناء عملها في جامعة سري البريطانية.
وقالت نافراتيلوفا إن أبحاثًا سابقة أشارت إلى أن التعرض للسكر خلال أول 1000 يوم من الحياة قد يرتبط بخطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، ومنها السكري.
وأضافت أن أبحاثًا سابقة للفريق وجدت ارتباطات بين تفضيل الأطعمة السكرية وبعض مشكلات الصحة النفسية، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة ما إذا كان التعرض للسكر في بداية الحياة قد يرتبط بحدوث مشكلات نفسية مثل الاكتئاب والقلق في مراحل لاحقة.
وأشارت إلى أن فهم تأثير السكر في الصحة الجسدية والنفسية على امتداد العمر يمكن أن يساعد في تطوير السياسات الصحية والإرشادات الغذائية.
القلق ظهر فيه الارتباط الأوضح
استخدم الفريق سجلات طبية مرتبطة لتحديد حالات القلق والاكتئاب المشخصة.
وخلال فترة متابعة بلغ متوسطها 15.72 عامًا، سُجل تشخيص القلق لدى 2,776 مشاركًا، بينما سُجل تشخيص الاكتئاب لدى 3,147 مشاركًا.
وظهر أقوى نمط بين الأشخاص الذين تعرضوا لأطول فترة من تقنين السكر.
فالأشخاص الذين عاشوا تحت تأثير التقنين لنحو 1000 يوم، أي من فترة الحمل وحتى قرابة عامين بعد الولادة، سجلوا معدلًا أقل لتشخيص القلق مقارنة بالمجموعة الرئيسية التي وُلد أفرادها بعد انتهاء التقنين.
انخفاض نسبي في خطر تشخيص القلق
بعد أخذ عدد من الاختلافات الصحية والاجتماعية في الاعتبار، قدر النموذج الإحصائي أن معدل الخطر المرتبط بتشخيص القلق كان أقل بنحو 33% لدى المجموعة الأكثر تعرضًا لفترة تقنين السكر.
لكن النسبة الفعلية للأشخاص الذين حصلوا على تشخيص للقلق اختلفت بدرجة أقل بين المجموعات، إذ تراوحت بين 5.45% و6.29%.
كما ظل الارتباط قائمًا عندما أخذ الباحثون في الاعتبار استهلاك السكر في مرحلة البلوغ ضمن جزء أصغر من مجموعة البيانات، وهو ما جعل نتيجة القلق أكثر اتساقًا من النتائج المتعلقة بالاكتئاب.
الاكتئاب.. نتيجة أقل وضوحًا
في البداية، بدا أن الاكتئاب يتبع نمطًا مشابهًا، إذ ظهرت معدلات أقل لدى بعض المجموعات التي تعرضت لفترة أطول من التقنين.
لكن هذا الارتباط أصبح أضعف بعد إدخال استهلاك السكر في مرحلة البلوغ ضمن التحليل.
ولذلك يرى الباحثون أن النتيجة الخاصة بالاكتئاب أقل وضوحًا من النتيجة المتعلقة بالقلق، وقد يكون للنظام الغذائي في مراحل لاحقة من العمر دور أكبر في تفسير هذه العلاقة.
هل أدى السكر الأقل إلى تغيير التفضيلات الغذائية؟
كان من الممكن افتراض أن الأشخاص الذين تعرضوا لكمية أقل من السكر في طفولتهم المبكرة ربما أصبحوا في مرحلة البلوغ أقل ميلًا إلى تناول الأطعمة الحلوة.
لكن البيانات لم تقدم دعمًا قويًا لهذه الفكرة.
فمن بين 15,058 شخصًا توفرت لديهم معلومات عن تفضيلات الطعام، أبلغ الأشخاص الذين تعرضوا للتقنين لنحو 1000 يوم عن ميل أقل قليلًا إلى الأطعمة الحلوة.
لكن الفارق بلغ 0.22 نقطة فقط على مقياس من 9 نقاط.
كما كان استهلاك السكر في مرحلة البلوغ متقاربًا للغاية بين المجموعات، ما يشير إلى أن تأثير التقنين المبكر لم يكن ببساطة ناتجًا عن تحول هؤلاء الأشخاص إلى بالغين يتناولون كميات أقل بكثير من السكر.
اختلافات في الدماغ أيضًا
فحص الباحثون كذلك صورًا للدماغ لدى 5,990 مشاركًا، وركزوا على المادة الرمادية، وهي أنسجة دماغية تحتوي على عدد كبير من أجسام الخلايا العصبية، وشملت التحليلات 139 منطقة دماغية.
وأظهرت المقارنة الأولية اختلافات بين مجموعات التقنين في 80 منطقة، بينما ركزت المقارنات اللاحقة على 11 منطقة، من بينها أجزاء من المخيخ وجذع الدماغ.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الاختلافات لا تثبت أن التقنين غيّر بنية الدماغ بطريقة أدت إلى انخفاض القلق.
كما لم يتمكن التحليل من إثبات أن الاختلافات في بنية الدماغ كانت السبب وراء النمط الذي ظهر في نتائج الصحة النفسية.
التاريخ ليس تجربة سريرية
يظل تفسير النتائج معقدًا لأن تقنين السكر لم يكن تجربة علمية خاضعة للسيطرة.
فالباحثون لم يعرفوا بدقة كمية السكر التي استهلكتها كل أم أو طفل، وإنما استخدموا تاريخ التقنين باعتباره مؤشرًا غير مباشر على مستوى التعرض المحتمل للسكر.
كذلك، ربما اختلف الأشخاص الذين ولدوا في سنوات مختلفة في عوامل أخرى، مثل الرعاية الصحية، والظروف الأسرية، والعدوى، والضغوط التي تعرضت لها الأمهات، وغيرها من الظروف الاجتماعية والصحية.
ورغم أن الباحثين أخذوا العديد من هذه العوامل في الاعتبار، فإنهم لم يتمكنوا من استبعاد جميع الاختلافات المحتملة بين المجموعات.
تأثير التغذية المبكرة قد يمتد طويلًا
قال نوفار جيفمان، أستاذ الصحة والمعلوماتية الطبية الحيوية في جامعة سري والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن قاعدة بيانات UK Biobank أتاحت للباحثين الاستفادة من فترة تقنين الغذاء التي أعقبت الحرب في بريطانيا لدراسة العلاقة بين التعرض للسكر والصحة النفسية.
وأشار إلى أن وجود مجموعة بهذا الحجم عاشت فترة كان فيها السكر الزائد أقل توافرًا، ثم شهدت زيادة تدريجية في توافره على مدى فترة طويلة، يمثل فرصة بحثية يصعب تكرارها.
ووفقًا للباحثين، ارتبط التعرض لتقنين السكر في بداية الحياة بميل أقل قليلًا إلى الأطعمة الحلوة، إلى جانب انخفاض معدل تشخيص القلق.
وتشير النتائج إلى أن النظام الغذائي خلال المراحل المبكرة جدًا من الحياة قد يكون مرتبطًا بالصحة النفسية بعد سنوات طويلة، لكن طبيعة هذا الارتباط وآلياته تحتاج إلى مزيد من البحث.
ماذا تعني النتائج اليوم؟
لا تثبت الدراسة أن تقليل السكر أثناء الحمل أو خلال فترة الرضاعة والطفولة المبكرة يمنع القلق، كما أنها لا تقدم قاعدة غذائية محددة يمكن تطبيقها على الأطفال اليوم.
بل تشير إلى احتمال وجود علاقة بين التغذية خلال فترة مبكرة جدًا من الحياة والصحة النفسية بعد عقود، في وقت تتداخل فيه عوامل وراثية وبيئية واجتماعية وغذائية كثيرة في تشكيل الصحة النفسية.
وتوفر هذه الحالة التاريخية النادرة في بريطانيا فرصة للباحثين لفهم التأثيرات طويلة المدى للتغذية خلال أول 1000 يوم من الحياة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية بين كمية السكر في هذه الفترة وخطر الإصابة بالقلق في مرحلة البلوغ.
