ليس توفر الغذاء وحده.. الدعم النفسي والاجتماعي يحسم جودة النظام الغذائي

من المطبخ العائلي إلى المتجر المحلي.. ما الذي يشكل عادات الأكل الصحية؟

كشفت دراسة حديثة ،أن تبني نظام غذائي صحي في المجتمعات الريفية لا يعتمد فقط على قرب المتاجر أو مستوى الدخل، بل يرتبط بدرجة كبيرة بعوامل نفسية واجتماعية مثل الثقة بالنفس، والتحفيز، والدعم الأسري.

الدراسة، التي نُشرت في دورية Journal of Nutrition Education and Behavior، اعتمدت على مسح شمل 2420 بالغًا من بلدات ريفية ومجتمعات صغيرة في ولايتي نيويورك وتكساس بالولايات المتحدة.
وأظهرت النتائج أن الأفراد الذين يتمتعون بدافع أعلى وثقة أكبر في قدرتهم على التخطيط للوجبات الصحية، إضافة إلى تلقيهم دعمًا من الأسرة، كانوا أكثر استهلاكًا للفواكه والخضروات والألياف، وأقل اعتمادًا على الأطعمة فائقة المعالجة.

العلاقة بين الدعم النفسي وجودة الغذاء

أوضحت الباحثة ريبيكا سيجوين-فولر من جامعة تكساس إيه آند إم أن العوامل النفسية والاجتماعية لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل أنماط التغذية.

فكل زيادة بمقدار نقطة واحدة في مستوى التحفيز أو الثقة بالنفس ارتبطت بتناول أكثر من نصف كوب إضافي من الفواكه أو الخضروات يوميًا.
كما تبين أن الدعم الأسري ارتبط بانخفاض استهلاك الأطعمة المعبأة والمصنعة، بينما ارتبط دعم الأصدقاء بزيادة استهلاك المنتجات الطازجة.

وتشير النتائج إلى أن التغيير المستدام غالبًا ما يبدأ من داخل المنزل، حيث تلعب الوجبات العائلية والتشجيع اليومي دورًا في ترسيخ عادات صحية.

بيئة الغذاء المحلية عامل مكمل

رغم أهمية العوامل النفسية، فإن تصور الأفراد لمدى توافر الفواكه والخضروات وجودتها في المتاجر المحلية كان له تأثير واضح أيضًا، فسهولة الوصول لا تتعلق بالمسافة فقط، بل بجودة المعروض وتنوعه.

الأشخاص الذين قيّموا توفر المنتجات الطازجة بشكل إيجابي، سجلوا معدلات أعلى في استهلاكها، إضافة إلى تحسن عام في جودة النظام الغذائي.

صورة واقعية للنظام الغذائي

النظام الغذائي

بلغ متوسط استهلاك المشاركين من الفواكه والخضروات نحو 2.6 كوب يوميًا، وهو أقل من المستهدف في الإرشادات الغذائية الوطنية الأمريكية.

كما بلغ متوسط استهلاك الألياف 15 جرامًا يوميًا، وهو معدل دون التوصيات الصحية، رغم أهمية الألياف في تقليل الالتهابات وتحسين صحة الأمعاء.

أما الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الوجبات الجاهزة والوجبات الخفيفة المعبأة، فبلغ متوسط تناولها 1.5 مرة يوميًا، وهي أطعمة قد تزاحم الأغذية الطازجة في الأنظمة الغذائية، خاصة لدى الأسر ذات الميزانيات المحدودة.

تأثير الدخل وانعدام الأمن الغذائي

أظهرت البيانات أن نحو نصف الأسر المشاركة يقل دخلها السنوي عن 50 ألف دولار، فيما أفاد قرابة 40% منهم بمعاناتهم من انعدام الأمن الغذائي، أي عدم توفر غذاء كافٍ بشكل منتظم.

ورغم هذه التحديات، لم يكن توفر الغذاء وحده العامل المحدد، إذ استمرت العلاقة بين الدعم النفسي وجودة الغذاء حتى مع اختلاف مستويات الدخل وإمكانية الوصول للمتاجر.

حدود الدراسة وآفاق البحث

تعتمد الدراسة على بيانات مقطعية جُمعت عبر استبيانات إلكترونية خلال عامي 2022-2023، ما يعني أنها ترصد ارتباطات في لحظة زمنية واحدة دون إثبات علاقة سببية مباشرة.

ويسعى الباحثون إلى إجراء دراسات طولية مستقبلًا لتحديد ما إذا كان تعزيز الثقة والدعم الاجتماعي يسبق بالفعل تحسن النظام الغذائي بمرور الوقت.

دلالات عملية للسياسات الغذائية

تشير النتائج إلى أن برامج التوعية الغذائية في المناطق الريفية ينبغي ألا تركز فقط على تحسين توافر المنتجات الطازجة، بل أيضًا على بناء مهارات التخطيط للطهي، وتعزيز الثقة بالنفس، وإنشاء شبكات دعم مجتمعية مستدامة.

فالخيارات الصحية لا تتشكل في رفوف المتاجر وحدها، بل في العلاقات اليومية داخل الأسرة والمجتمع، حيث يمكن للتشجيع البسيط أن يحول العادة الصحية إلى سلوك دائم.

Exit mobile version