لماذا تعيش بعض النساء أكثر من 100 عام؟ العلم يعود إلى جينات ما قبل الزراعة

من العصر الجليدي إلى اليوم.. كيف تسهم جينات الصيادين القدماء في طول العمر؟

كشفت دراسة حديثة أجراها فريق من العلماء الإيطاليين عن وجود صلة محتملة بين طول العمر الاستثنائي لدى بعض البشر، المعروفين بـ«المعمّرين الفائقين»، وبين إرث وراثي يعود إلى صيادي وجامعي الثمار الذين عاشوا في أوروبا خلال العصر الجليدي.

وأظهرت نتائج الدراسة أن بعض أنماط الحمض النووي الموروثة من تلك الجماعات القديمة قد تسهم في تحسين قدرة الجسم على مواجهة الالتهابات والإجهاد على مدار العمر، ما يزيد احتمالات الوصول إلى سن المئة عام أو أكثر.

قاد الدراسة البروفيسورة كريستينا جولياني، الأستاذة المشاركة بجامعة بولونيا الإيطالية، التي يتركز عملها البحثي على علم التخلّق (Epigenetics)، وهو المجال الذي يدرس التغيرات الكيميائية التي تؤثر في سلوك الجينات دون تغيير تسلسلها.

إرث وراثي قديم يزيد فرص العيش لأكثر من 100 عام

إيطاليا… ملتقى الهجرات القديمة

تُعد إيطاليا نموذجًا مثاليًا لدراسات طول العمر، نظرًا لكونها ملتقى تاريخيًا لهجرات بشرية متعددة، ما أدى إلى تراكم طبقات جينية متنوعة داخل السكان. ووفق بيانات رسمية، بلغ عدد المعمّرين في إيطاليا 23,548 شخصًا في الأول من يناير 2025، شكّلت النساء نحو 83% منهم.

اعتمد الباحثون على مقارنة الحمض النووي لـ333 شخصًا تجاوزوا سن المئة مع 690 شخصًا من فئات عمرية أصغر ينتمون إلى مناطق جغرافية متقاربة، بهدف تقليل تأثير العوامل البيئية والاجتماعية.

مقارنة الجينوم الحديث بالقديم

استفادت الدراسة من تقنيات حديثة في علم الجينوم القديم (Paleogenomics)، تتيح تحليل الحمض النووي المستخرج من بقايا بشرية تعود لآلاف السنين. وقارن العلماء جينومات المشاركين المعاصرين بعينات تاريخية، من بينها ما يُعرف بـ«مجموعة فيلابرونا» التي عاشت في إيطاليا قبل نحو 14 ألف عام.

وتم تحليل الحمض النووي لكل مشارك باعتباره مزيجًا من أربعة أصول وراثية رئيسية، تشمل مزارعي العصر الحجري الحديث، ورعاة السهوب، وصيادي أوروبا الغربيين، ومجموعات من منطقة إيران–القوقاز.

جينات الصيادين وطول العمر

أظهرت النتائج، عبر عدة نماذج تحليلية، أن المعمّرين يحملون نسبة أعلى من أصول «صيادي أوروبا الغربيين» مقارنة بالمجموعة الضابطة، مع زيادة في احتمالات بلوغ سن المئة بنسبة تصل إلى 38%.

وأوضحت البروفيسورة جولياني في الدراسة: «نُظهر في هذا البحث إسهام المكونات الجينية القديمة في ظاهرة طول العمر».

كما رصد الباحثون تراكم متغيرات جينية محددة لدى المعمّرين في مواقع مرتبطة سابقًا بطول العمر، وهي متغيرات قد تؤثر في عمليات الأيض، والمناعة، وإصلاح الخلايا.

DNA أوروبي قديم يكشف مفاتيح جديدة لطول العمر والصحة

النساء والبيئات القاسية

برز هذا الارتباط الجيني بشكل أوضح لدى النساء، وهو ما يتماشى مع التفوق العددي لهن بين المعمّرين. ويرجح الباحثون أن صغر حجم العينة الذكورية حدّ من إمكانية اختبار الفرضية نفسها لدى الرجال.

ويشير العلماء إلى أن الظروف القاسية خلال العصر الجليدي، مثل البرودة الشديدة ونقص الغذاء، ربما فضّلت أنماطًا جينية تعزز كفاءة تخزين الطاقة وقوة الاستجابة المناعية، وهي سمات قد تسهم اليوم في شيخوخة أكثر صحة.

الالتهاب والشيخوخة

تعرف الشيخوخة غالبًا بارتفاع مستويات الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، أو ما يُعرف بـ«الالتهاب المرتبط بالتقدم في العمر»، وهو عامل يزيد مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والخرف. ويُحتمل أن بعض المتغيرات الجينية الموروثة من الصيادين القدماء تساعد في الحد من هذه العملية.

ما الذي تعنيه النتائج؟

رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن طول العمر نتاج تفاعل معقد بين الجينات ونمط الحياة والبيئة والرعاية الصحية، ولا يمكن التنبؤ به اعتمادًا على الأصل الوراثي وحده. كما شددوا على ضرورة إجراء تجارب مخبرية إضافية لفهم الآليات البيولوجية الدقيقة وراء هذه الروابط.

وتفتح الدراسة بابًا جديدًا لفهم العلاقة بين التاريخ الجيني العميق للبشر وصحتهم في الشيخوخة، مع التأكيد على أن النصائح الصحية الحديثة تظل منفصلة تمامًا عن نتائج الأبحاث الوراثية.

Exit mobile version