يمكن لجذوع الأشجار أن تستضيف ميكروبات تعمل على إزالة الغازات الضارة والغازات الدفيئة، مضيفة دورًا جديدًا لتنقية الهواء إلى جانب امتصاص ثاني أكسيد الكربون.
خلال دراسة امتدت خمس سنوات في شرق أستراليا، رصد الباحثون هذه العملية على ميكروبات تعيش في لحاء الأشجار.
نشرت الدراسة في مجلة Science، امتدت مواقع الدراسة من الأراضي الرطبة إلى الغابات المرتفعة والسواحل والمستنقعات، مع أخذ عينات من ثماني أنواع شائعة من الأشجار.
قاد الدراسة الدكتور بوب ليونغ في جامعة موناش في ملبورن، أستراليا. ويركز بحثه على الإنزيمات التي تمكّن الميكروبات من العيش على كميات ضئيلة من الغازات، مما يجعل لحاء الأشجار مكانًا طبيعيًا للدراسة.
حياة مكتظة في لحاء الأشجار
أظهرت الدراسات الحديثة أن لحاء الأشجار يُشكّل موطنًا نادر القياس من قبل العلماء في الميدان.
“إلا أن وجودها وأدوارها كان قد أغفل لعدة عقود حتى الآن”، بحسب ما صرح به الدكتور ليونغ.
تشير تقديرات الحمض النووي إلى وجود نحو ستة تريليونات ميكروب لكل متر مربع، لتشكل معًا ما يُعرف بالمجتمع الميكروبي (الميكروبيوم).
اختبار ميكروبات لحاء الأشجار
سمح التسلسل الجيني للفريق بالتجاوز عن قوائم الأنواع البسيطة والدخول في الميتاجينوميكس، أي قراءة جميع الجينات في العينة.
أظهرت الخرائط الجينية أن مجتمعات اللحاء تختلف عن التربة والمياه المجاورة، وأن كثيرًا منها يحمل أدوات لعملية استقلاب الغازات.
لكن الأدلة الجينية كانت بحاجة لتأكيد مخبري، إذ قد تبقى الميكروبات خاملة عندما يجف اللحاء أو ينخفض الأكسجين.
قام الباحثون بإغلاق شرائح اللحاء في زجاجات لتشكيل “نظم مصغرة” تحاكي الظروف الطبيعية للميكروبات.
مع الهواء الطبيعي في الزجاجات، امتصت الميكروبات عدة غازات، بينما لم تُظهر عينات اللحاء المعقمة أي نشاط.
وعندما أزيل الأكسجين، بدأ اللحاء نفسه بإطلاق الغازات، مما يوضح سرعة انعكاس العمليات الكيميائية للميكروبات.
مستويات الأكسجين في اللحاء
داخل اللحاء السميك، يمكن أن ينخفض الأكسجين بسرعة، مكوّنًا ظروفًا خالية من الأكسجين (anoxia).
يدفع نقص الأكسجين الميكروبات نحو التخمر، ما ينتج عنه الهيدروجين والميثان.
وبما أن مستوى الأكسجين في اللحاء يتغير مع الرطوبة ووقت اليوم، فإن الفوائد المناخية تختلف حتى داخل نفس الغابة.
رصد امتصاص الهيدروجين في الميدان
قامت غرف ميدانية بقياس حركة الغازات على جذوع الأشجار مباشرة. عبر مواقع الأراضي الرطبة والساحلية والمرتفعة، أظهرت معظم الجذوع امتصاص الهيدروجين من الهواء خلال جميع المواسم.
يشير هذا الامتصاص المستمر إلى قدرة ميكروبات اللحاء على استهلاك الهيدروجين حتى عند وجود مستويات عالية منه داخل الساق.
الانتشار العالمي لميكروبات اللحاء
على مستوى العالم، يغطي ما يُعرف بـ “caulosphere” – موطن الميكروبات على السيقان واللحاء – حوالي 143 مليون كيلومتر مربع.
هذا الحجم يجعل التغيرات الصغيرة لكل قدم مربع تتحول إلى تأثيرات كبيرة على المقياس العالمي، مع ضرورة مراعاة الأكسجين ودرجة الحرارة ونوع الشجرة لتحديد ما إذا كان الجذع يمتص أو يطلق الغازات.
في الغلاف الجوي، تساعد الجذور الهيدروكسيلية (hydroxyl radical) على تفكيك الغازات والحد من تراكم الميثان. تتنافس الغازات مثل الهيدروجين وأول أكسيد الكربون على هذا الجذر، لذا فإن إزالتها تساعد على تقليل الاحترار بشكل غير مباشر.
الميثان وظروف اللحاء
يمكن للجذوع الرطبة أن تحتوي على مستويات من الميثان، ما يسمح لبكتيريا الميثانوتروف (methanotrophs) باستهلاك الميثان كمصدر للطاقة.
كشفت التجارب عن استهلاك الميثان عند تعرض اللحاء لمستويات مرتفعة منه، بينما أظهر اللحاء مستويات طبيعية القليل من الامتصاص، لذا فإن الأراضي الرطبة لا تصبح تلقائيًا مصارف للميثان.
أول أكسيد الكربون والأشجار الحضرية
يمكن لأول أكسيد الكربون تعطيل الهيموغلوبين، البروتين الحامل للأكسجين في الدم، وقد يكون قاتلًا بجرعات عالية.
تحمل ميكروبات اللحاء إنزيمات تحوّل أول أكسيد الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون، مما يقلل من بعض الغازات قبل انطلاقها للجو.
قد تمنح الأشجار الحضرية القريبة من المرور فوائد إضافية لجودة الهواء عند توفر الظروف المناسبة للنشاط البكتيري.
الأغشية الطيارة تغذي الميكروبات
تطلق سيقان الأشجار مركبات عضوية متطايرة (VOCs) من النسغ والأنسجة التالفة. تستطيع الميكروبات هضم الميثانول وغيرها من المركبات، وتحويلها إلى نمو وثاني أكسيد الكربون، ما يحافظ على نشاط المجتمعات حتى عند ندرة الوقود الخارجي.
ليس كل لحاء متساوٍ
تدعم أنواع لحاء مختلفة ميكروبات مختلفة. استضاف لحاء أشجار الورق الرطبة مثل Melaleuca quinquenervia بكتيريا كثيرة لدورة الغازات، بينما فضّل بعض الأوكالبتوس المرتفع لحاءه الشمعي.
قد يؤخذ علم بيولوجيا الجذع في الاعتبار عند اختيار الأشجار للشوارع، خاصة في المناطق الحارة والملوثة.
إعادة التفكير في النماذج المناخية
تعتمد النماذج المناخية على أدوات حيوية كيميائية لتتبع دورات العناصر والغازات. غالبًا ما تُعامل السيقان كمسارات بسيطة للغازات، لكن استقلاب الميكروبات يمكن أن يغيّر كمية ونوع الغازات المنبعثة.
للحصول على توقعات أدق، يلزم المزيد من العينات خارج أستراليا ومتابعة دقيقة للأكسجين والرطوبة والفصول.
تُظهر النتائج مجتمعةً أن ميكروبات لحاء الأشجار يمكن أن تؤثر في المناخ وجودة الهواء من خلال تعديل عدة غازات عند الجذع.
يمكن أن تراعي خطط التشجير الظروف المحلية التي تؤثر على أكسجين اللحاء، في حين يستمر البحث لمعرفة ما إذا كانت خدمات الميكروبات مشابهة متوفرة عالميًا.
