كيف نُحسّن تخزين الهيدروجين؟ خريطة فيزيائية تكشف أسرار المواد الواعدة

لماذا يؤثر تركيب المعادن في كمية الهيدروجين المخزنة والضغط اللازم لإطلاقه؟

طوّر فريق بحثي بقيادة جامعة توهوكو اليابانية، وبالتعاون مع جامعة طوكيو، قاعدة بيانات علمية متخصصة في تخزين الهيدروجين، تضم أكثر من 30 ألف سجل مستمد من أكثر من 4 آلاف دراسة تجريبية، بهدف الكشف عن الروابط بين خصائص المواد وقدرتها على تخزين الهيدروجين والضغط اللازم لإطلاقه.

وتحمل المنصة اسم Digital Hydrogen Platform (DigHyd)، وقد أتاحت للباحثين إنشاء خريطة فيزيائية توضّح كيفية تفاعل خصائص المواد المختلفة في تحديد سعة تخزين الهيدروجين وضغط اتزانه، وهو ما يساعد على فهم الظروف التي تمتص فيها المواد الهيدروجين وتطلقه.

ونُشرت الدراسة في دورية Applied Physics A .

وتعتمد كفاءة الهيدروجين بوصفه مصدرًا للطاقة النظيفة، ليس فقط على تطوير مواد تستطيع تخزين كميات كبيرة منه وإطلاقه بكفاءة، بل أيضًا على فهم المفاضلة بين كمية الهيدروجين المخزنة وظروف التشغيل العملية اللازمة للاستفادة منه.

وقال هاو لي، الأستاذ في معهد الأبحاث المتقدمة للمواد بجامعة توهوكو، إن فهم تخزين الهيدروجين يتطلب تجاوز البحث عن مواد قادرة على استيعاب كميات كبيرة منه، وصولًا إلى تفسير كيفية تأثير خصائص تلك المواد في احتفاظها بالهيدروجين وإطلاقه.
وأضاف أن الجمع بين البيانات التجريبية الموثوقة والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير يتيح البدء في كشف العلاقات الفيزيائية الكامنة وراء هذه العملية.

تدقيق البيانات ومقارنتها بالأدلة التجريبية

تخزين الهيدروجين

لم يقتصر إعداد قاعدة البيانات على جمع المعلومات آليًا، إذ جمع الفريق بين تقنيات الذكاء الاصطناعي لاستخراج البيانات من الأبحاث العلمية والتحقق البشري الدقيق، من خلال مراجعة المعلومات المستخرجة بالرجوع إلى المنشورات الأصلية، وتوحيد وحدات القياس، وتحليل المنحنيات التجريبية.

وركّز الباحثون على هيدريدات المعادن، وهي مواد تخزّن الهيدروجين داخل بنيتها، حيث جمعوا ونقّحوا يدويًا 4643 قياسًا لسعة تخزين الهيدروجين، و652 مجموعة من قياسات الإنثالبي والإنتروبيا.

وتساعد هاتان الكميتان الديناميكيتان الحراريتان في التنبؤ بكيفية تغير سلوك تخزين الهيدروجين مع اختلاف درجة الحرارة. كما تتيح الروابط إلى الدراسات الأصلية تتبّع البيانات والتحقق من مصادرها، بما يعزز موثوقية التحليلات اللاحقة.

معادلات تكشف الآليات الفيزيائية

استخدم الفريق تقنية للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم الانحدار الرمزي (Symbolic Regression)، من خلال أسلوب يحمل اسم GoodRegressor، بهدف تحديد العلاقات داخل البيانات وصياغتها في صورة معادلات رياضية يمكن للعلماء تفسيرها.

وفي اختبارات التحقق المتقاطع ذات الطيات الخمس، حققت الطريقة أداءً تنبؤيًا مماثلًا للنماذج المتقدمة التي تعمل باعتبارها «صندوقًا أسود»، لكنها تميزت بإنتاج معادلات قابلة للفهم والتحليل العلمي.

وأتاح ذلك للباحثين تجاوز مجرد التنبؤ بسلوك المواد إلى دراسة الآليات الفيزيائية التي تفسر هذا السلوك، والكشف عن الروابط بين خصائص المواد المختلفة وأداء تخزين الهيدروجين.

تخزين الهيدروجين

سعة التخزين وضغط الإطلاق.. علاقة تحكمها خصائص المواد

كشفت الخريطة الناتجة عن الدراسة عن تسلسل مترابط من خصائص المواد التي تؤثر في سعة تخزين الهيدروجين وضغط اتزانه.
وأظهرت النتائج أن انخفاض الكتلة الذرية للعناصر المكوّنة للمادة المضيفة للهيدروجين يرتبط عمومًا بارتفاع سعة التخزين نسبةً إلى الوزن.

وفي الهيدريدات البينية، التي تشغل فيها ذرات الهيدروجين الفراغات بين ذرات المعدن، يؤدي حجم الذرات وترتيبها داخل الشبكة البلورية دورًا مهمًا في تحديد قدرة المادة على استيعاب الهيدروجين.
كما توفر خصائص مثل التمدد الحراري والتوصيل الحراري مؤشرات على كيفية استجابة المادة لدخول الهيدروجين إلى بنيتها.

وأوضحت الخريطة كذلك أن الخصائص الميكانيكية للمواد تؤثر في عملية التخزين، فعندما تدخل ذرات الهيدروجين إلى الشبكة البلورية للمعدن، تحتاج البنية إلى التشوه والتمدد لاستيعابها. أما المواد الأكثر صلابة، فتقاوم هذا التشوه، ما يزيد الطاقة المرنة اللازمة لاحتواء الهيدروجين.

وقد يجعل ذلك الهيدريد أقل استقرارًا ويرفع ضغط اتزانه، وهو ما يؤثر في الظروف المطلوبة لإطلاق الهيدروجين من المادة.

ورصد الباحثون أيضًا روابط بين السالبية الكهربية والتوصيل الحراري ومقاومة الانضغاط لدى المعادن التي شملتها الدراسة.
وتساعد هذه العلاقات في تفسير سبب تأثير تحسين سعة تخزين الهيدروجين في الظروف اللازمة لتحريره من المادة، بما يوضح أن زيادة كمية الهيدروجين المخزنة لا يمكن تقييمها بمعزل عن متطلبات التشغيل.

من العلاقات المكتشفة إلى الاختبارات التجريبية

تخزين الهيدروجين

تشير النتائج إلى أهمية دراسة سعة تخزين الهيدروجين وضغط اتزانه معًا عند تصميم مواد جديدة، بدلًا من تقييم كل خاصية بصورة منفصلة.

وتوفر الخريطة الفيزيائية إطارًا لفهم كيفية تفاعل مجموعة من الخصائص لتحديد أداء التخزين، كما توضح إمكانات الانحدار الرمزي في اكتشاف علاقات فيزيائية لم تكن معروفة سابقًا داخل البيانات التجريبية.

وقال شين-إيتشي أوريمو، من معهد الأبحاث المتقدمة للمواد بجامعة توهوكو، إن الخطوة التالية تتمثل في استخدام هذه النتائج لتوجيه تطوير مواد جديدة، ثم اختبار مدى تطابق خصائصها المتوقعة مع النتائج الفعلية في التجارب.

وأوضح أن الربط بين التحليل القائم على البيانات وتصنيع المواد المرشحة وتقييمها قد يسرّع البحث عن حلول عملية لتخزين الهيدروجين.

ويخطط الفريق لتوسيع قاعدة البيانات وتحسينها، وتحديد التركيبات الواعدة من المواد، ثم تصنيع عينات منها لإخضاعها للاختبارات التجريبية.
وستساعد مقارنة سلوك تخزين الهيدروجين المقاس فعليًا بتوقعات النماذج على تطوير منهجية البحث وتوجيه اكتشاف مواد أكثر كفاءة.

↑
Exit mobile version