الهوية لا تتوقف عند الشباب.. دراسة تكشف كيف يتغير فهم الإنسان لنفسه حتى سن الستين

من الشباب إلى منتصف العمر.. متى تتضح هويتنا الشخصية؟ مع التقدم في العمر تتغير نظرتنا لأنفسنا

لم تنتهِ المهمة بمجرد الاستقرار في العمل أو تكوين الأسرة؛ فدراسة فنلندية طويلة الأمد تشير إلى أن فهم الإنسان لقيمه ومعتقداته وأهدافه قد يستمر في التطور حتى بعد سن الستين، مع تسارع التغير في مرحلة الشباب، وتباطؤ خلال منتصف العمر، ثم عودة الارتفاع بدرجة أقل لاحقًا.

تابع الباحثون مجموعة من البالغين الفنلنديين من سن 27 إلى 61 عامًا، ووجدوا أن متوسط درجات الهوية ارتفع بصورة ملحوظة بين 27 و42 عامًا، ثم شهد استقرارًا نسبيًا بين 42 و50 عامًا، قبل أن يرتفع مجددًا حتى سن 61.

وقادت الدراسة الباحثة Liinu Marin، من جامعة يوفاسكولا الفنلندية، ونُشرت في دورية Journal of Adult Development.

كيف قاس الباحثون تطور الهوية؟

لم يقصد الباحثون بالهوية مجرد المهنة أو الخلفية الاجتماعية، بل ركزوا على مدى استكشاف الأشخاص لخياراتهم قبل تبني مواقف راسخة بشأن خمسة مجالات: العمل، والدين، والسياسة، والعلاقات العاطفية، ونمط الحياة.

ووفقًا لطريقة القياس، حصل الشخص على درجة أعلى عندما كان قد فكر في البدائل المتاحة ثم اتخذ قرارًا بشأنها، بينما لم يحصل على الدرجة نفسها إذا تبنى معتقدات أو اختيارات دون مراجعتها أو التفكير في بدائلها.

وجمع الفريق نتائج المجالات الخمسة في مقياس يتراوح بين سالب خمسة وموجب خمسة، بحيث تعكس الدرجة الأعلى وجود عدد أكبر من المجالات التي استكشف فيها الشخص خياراته واتخذ موقفًا واضحًا.

منتصف العمر.. مرحلة استقرار نسبي

بدأ متوسط درجات الهوية لدى المشاركين عند مستوى أقل قليلًا من الصفر في سن 27، ووصل إلى نحو 1.6 عند سن 61.
وتركز الجزء الأكبر من الارتفاع خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 42 عامًا، بينما لم تشهد الدرجات تغيرًا يُذكر بين 42 و50 عامًا، قبل تسجيل زيادة محدودة في السنوات التالية.

وتتفق هذه النتيجة مع دراسة سابقة تابعت بالغين من سن 20 إلى 54 عامًا، ورصدت بدورها تباطؤًا في تطور الهوية خلال منتصف العمر، لكن الدراسة الفنلندية امتدت إلى سن أكبر، ما أتاح للباحثين ملاحظة الزيادة اللاحقة.

ويرجح الباحثون أن تتصل هذه الأنماط بتغير المسؤوليات والظروف الحياتية. فمرحلة الشباب غالبًا ما تتضمن قرارات جديدة بشأن العمل والعلاقات ونمط الحياة، بينما قد ينشغل الأشخاص في منتصف العمر بالحفاظ على التزاماتهم القائمة، بما يترك مساحة أقل لإعادة النظر في اختياراتهم.

أما الاقتراب من التقاعد، فقد يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة عن العمل والوقت والعلاقات والدور الذي يؤديه الإنسان في المجتمع، لكن هذه التفسيرات تظل فرضيات طرحها الباحثون، ولم تختبر الدراسة بصورة مباشرة ما إذا كانت هذه العوامل هي التي تسببت في التغيرات المرصودة.

هل ترتبط الهوية الأكثر وضوحًا بحياة أفضل؟

لم يقتصر البحث على تتبع تطور الهوية، بل درس أيضًا علاقتها بالرفاه النفسي والاجتماعي والرضا عن الحياة والمشاعر المرتبطة بالقلق والاكتئاب.

وأظهرت النتائج أن الدرجات الأعلى للهوية ارتبطت بمستويات أفضل من الرفاه النفسي والاجتماعي، ورضا أكبر عن الحياة، ومشاعر قلق أقل. لكن هذه العلاقات كانت متوسطة القوة أو أقل، ولم يظهر ارتباط واضح بين درجات الهوية والمشاعر الاكتئابية.

وتضمنت مقاييس الرفاه النفسي الشعور بالهدف والاستقلالية والنمو الشخصي، بينما تناول الرفاه الاجتماعي الشعور بالقبول والقدرة على الإسهام في المجتمع والارتباط به.

كما وجد الباحثون أن الرضا عن الحياة والرفاه الاجتماعي ارتفعا تدريجيًا في المتوسط خلال مراحل المتابعة اللاحقة، في حين لم يظهر تغير متوسط واضح في الرفاه النفسي أو مشاعر القلق والاكتئاب.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن وضوح الهوية يؤدي بالضرورة إلى تحسن الصحة النفسية؛ فمن الممكن أيضًا أن يساعد الشعور بالرفاه على التفكير في الخيارات الشخصية وتكوين الهوية، أي إن العلاقة قد تسير في الاتجاهين.

وقالت مارين إن الرفاه النفسي قد يدعم تكوين الهوية أو يعرقله، مضيفة أن النتائج تشير إلى وجود ارتباط بين الهوية والرفاه النفسي خلال مرحلة البلوغ.

متابعة امتدت لعقود

استندت الدراسة إلى مشروع فنلندي طويل الأمد بدأ عام 1968، وشمل في بدايته 369 طفلًا وُلدوا عام 1959، واختيروا من 12 فصلًا دراسيًا بالصف الثاني.

وأُجريت مقابلات حول الهوية في خمس مراحل عمرية بين 27 و61 عامًا. وبحلول جولة المتابعة الأخيرة، التي نُفذت في عامي 2020 و2021، بلغ عدد المشاركين المستمرين في الدراسة 206 أشخاص، بعد وفاة بعض المشاركين أو توقف آخرين عن المتابعة.

ورغم طول فترة البحث، أشار الباحثون إلى عدة قيود؛ إذ اقتصرت الدراسة على جيل واحد من الفنلنديين، ولا يمكن افتراض أن الأجيال الأصغر ستتبع المسار نفسه، خاصة مع تغير طبيعة العمل والمسارات المهنية.

كما أن جمع خمسة مجالات مختلفة في درجة واحدة قد يخفي اختلافات مهمة بين كيفية تطور الهوية المهنية أو الدينية أو العاطفية، فضلًا عن أن الدراسة لم تتتبع التغيرات الفردية في الهوية والرفاه النفسي بصورة تسمح بإثبات العلاقة السببية بينهما.

هل يفتح التقاعد فصلًا جديدًا في الهوية؟

يرى الباحثون أن مرحلة ما بعد الستين تستحق مزيدًا من الدراسة، خصوصًا أن التقاعد قد يدفع الأشخاص إلى إعادة التفكير في أدوارهم داخل الأسرة والمجتمع، وفي كيفية تنظيم حياتهم بعيدًا عن العمل.

وقد تساعد متابعة المشاركين خلال سنوات التقاعد على تحديد ما إذا كان ارتفاع درجات الهوية الذي ظهر بين سن 50 و61 عامًا سيستمر، أم أن مسار التطور سيتخذ شكلًا مختلفًا.

وتخلص الدراسة إلى أن فهم الإنسان لنفسه ليس مهمة تنتهي بالانتقال إلى مرحلة البلوغ أو الاستقرار في الحياة؛ بل قد يظل عملية ممتدة تتأثر بالخبرات والاختيارات والتحولات العمرية، حتى مع اختلاف مسارها من شخص إلى آخر.

↑
Exit mobile version