أخبارالمدن الذكيةابتكارات ومبادرات

فلتر هواء يُعاد شحنه بضوء الشمس ومصابيح LED.. يلتقط أكثر من 99% من الجسيمات الدقيقة

وداعًا لاستبدال فلاتر الهواء باستمرار؟ مادة جديدة تستعيد كفاءتها بالشحن الضوئي

طور باحثون مادة جديدة لتنقية الهواء يمكن غسلها بالماء وإعادة شحنها باستخدام ضوء الشمس أو مصابيح LED، بعدما أظهرت التجارب المعملية قدرتها على التقاط أكثر من 99% من الجسيمات الدقيقة، مع الاحتفاظ بكفاءتها بعد 100 دورة من الغسل وإعادة الشحن الضوئي.

ويعتمد الابتكار على طلاء خاص يغطي ألياف الفلتر، ويساعده على الاحتفاظ بشحنته الكهربائية لفترات طويلة، حتى في ظروف الرطوبة المرتفعة، بما يعالج بعض المشكلات التي تواجه فلاتر الهواء التقليدية، والتي تفقد شحنتها تدريجيًا وتحتاج إلى الاستبدال بعد تراكم الملوثات داخلها.

وتختلف هذه التقنية عن أجهزة التنفس من نوع N95، إذ توصي السلطات الصحية الأمريكية بعدم غسل هذه الأقنعة، والتخلص منها عندما تصبح مبللة أو متسخة أو تالفة.

ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Chem العلمية، وقاد فريق البحث الكيميائي جيهونج يو من جامعة جيلين في مدينة تشانجتشون الصينية، وشارك في إعداد الدراسة الباحث تشيفي وانج، الذي يشغل أيضًا منصبًا في جامعة بكين للمعلمين.

ولا تزال التقنية في مرحلة العينات المعملية والنماذج الأولية، ولم تصل بعد إلى مرحلة الاستخدام التجاري.

الشحنة الكهربائية سر التقاط الجسيمات الدقيقة

تعتمد أجهزة تنقية الهواء المنزلية وأقنعة الوجه على فلاتر تتكون من شبكة غير منتظمة من الألياف، تسمح بمرور الهواء عبر الفجوات الموجودة بينها، بينما تعترض الألياف الجسيمات الأكبر حجمًا من الغبار.

لكن بعض الجسيمات الدقيقة للغاية يمكنها المرور عبر هذه الفجوات، ما لم تجذبها شحنة كهربائية إلى سطح الألياف وتثبتها عليه.

وتحصل كثير من الفلاتر التجارية على هذه الشحنة من خلال عملية معالجة بجهد كهربائي مرتفع تُعرف باسم «الشحن الإكليلي» (Corona Charging)، إلا أن الشحنة تتراجع تدريجيًا بمرور الوقت، وتسرّع الرطوبة هذه العملية، لأن الألياف المبللة تصبح أكثر قدرة على نقل الكهرباء بعيدًا عن سطحها.

وتواجه الفلاتر مشكلة أخرى تتمثل في تراكم الجسيمات داخل الفجوات، ما يصعب مرور الهواء خلالها، وهي الظاهرة التي يطلق عليها المهندسون اسم «الانسداد».

وتعتمد بعض الفلاتر الحديثة على توليد الشحنة الكهربائية من خلال الاحتكاك، لكنها تظل مرتبطة بمواد معينة، كما لا تتخلص من مشكلة الانسداد، وهو ما يجعل استبدال الفلاتر أمرًا متكررًا، يرفع تكاليف الاستخدام ويزيد النفايات البلاستيكية.

وقال جيهونج يو، إن نظام الشحن بالضوء يوفر نهجًا مستدامًا وقابلًا للتخصيص لالتقاط الجسيمات، ويمكنه التغلب على مشكلات ضعف استقرار الترشيح والانسداد التي تظهر في الفلاتر التقليدية.

فلتر هواء يُعاد شحنه بضوء الشمس ومصابيح LED

كيف يعيد الضوء شحن الفلتر؟

بدأ الباحثون باستخدام نسيج مصنوع من مادة البولي بروبيلين، وهي المادة نفسها المستخدمة في تصنيع الأقنعة الطبية من خلال تقنية الألياف المنصهرة والمنفوخة (Melt-blown).

ثم وضعوا طبقة رقيقة على كل ليف من ألياف النسيج، مع الحفاظ على الفجوات الموجودة بينها حتى لا تعيق تدفق الهواء.

ويتكون الطلاء من مزيج يجمع بين نوع من البلاستيك يُعرف باسم «PVDF-TrFE»، وقطرات دقيقة من معدن سائل مكون من الجاليوم والإنديوم.

وتتميز جزيئات هذا البوليمر بوجود طرف يحمل شحنة موجبة جزئيًا وآخر يحمل شحنة سالبة جزئيًا. وعندما تصطف أعداد كافية من الجزيئات في الاتجاه نفسه، يصبح السطح قادرًا على الاحتفاظ بشحنة كهربائية مستقرة.

أما قطرات المعدن السائل، فتمتص الضوء وتحوله إلى حرارة، وتساعد هذه الحرارة جزيئات البوليمر على الاصطفاف في اتجاه واحد، بما يعزز قدرتها على الاحتفاظ بالشحنة.

وأظهرت التجارب أن نحو 90% من البوليمر وصل إلى أكثر أشكاله قدرة على الاحتفاظ بالشحنة عند استخدام الطلاء دون إضافة المعدن السائل، بينما ارتفعت النسبة إلى نحو 96% عند إضافة المعدن بنسبة 5%.

لكن هذه العملية لها حدود حرارية؛ إذ يبدأ انتظام الجزيئات في التراجع عند درجات حرارة تتجاوز نحو 230 درجة فهرنهايت، أي ما يعادل 110 درجات مئوية، كما يمكن للضوء شديد القوة أن يتسبب في تلف الطلاء.

واختبر الفريق إعادة شحن العينات باستخدام ليزر قريب من الأشعة تحت الحمراء، ومصباح LED، ومصباح يحاكي ضوء الشمس، وأظهرت الطرق الثلاث قدرتها على تنشيط الفلتر وإعادة شحن سطحه.

كفاءة مرتفعة حتى في ظروف الرطوبة

اختبر الباحثون قدرة الفلتر على التقاط جسيمات من الملح والسخام، يبلغ قطرها نحو 0.3 ميكرومتر، أي ما يعادل جزءًا من مائة ألف من البوصة تقريبًا.

واستخدمت جسيمات الملح لمحاكاة الجسيمات المرتبطة بالماء، بينما مثل السخام الجسيمات ذات الطبيعة الزيتية، وأُجريت الاختبارات في مستويات رطوبة تراوحت بين 20% و90%.

وتكتسب هذه الاختبارات أهمية خاصة عند مستويات الرطوبة المرتفعة، لأنها تمثل تحديًا للفلاتر التقليدية التي تفقد شحنتها الكهربائية بسهولة أكبر في وجود الرطوبة.

وبعد ترك الفلتر المشحون في الهواء الطلق لمدة 30 يومًا، احتفظ بشحنته السطحية المستقرة، واستطاع التقاط نحو 99.7% من الجسيمات المستهدفة.

وفي اختبار الترشيح المستمر، حقق الفلتر معيار N99، إذ تجاوزت كفاءة التقاطه للجسيمات الدقيقة 99% خلال 12 ساعة، ثم ظل أداؤه أعلى من مستوى N95، الذي يتطلب كفاءة ترشيح لا تقل عن 95%، لمدة 24 ساعة إضافية.

وفي المقابل، سجلت معظم الفلاتر التجارية التي قارنها الباحثون، بما فيها أقنعة N95، انخفاضًا في كفاءة الترشيح إلى أقل من 95% خلال يوم واحد، إلى جانب زيادة صعوبة دفع الهواء عبرها.

ويرجع الباحثون هذا الاختلاف إلى الطريقة التي تتراكم بها الجسيمات داخل الفلتر؛ إذ التصقت معظم الملوثات في الفلتر الجديد بجدران الألياف المطلية بدلًا من التراكم داخل الفجوات، ما سمح باستمرار تدفق الهواء بسهولة أكبر.

كما أجرى الفريق اختبارًا محاكيًا استمر ثلاثة أشهر، حافظ خلاله الفلتر على كفاءة بلغت نحو 99% خلال الشهر الأول، ثم سجل كفاءة تقارب 95% خلال الشهرين التاليين.

غسل الفلتر وإعادة شحنه 100 مرة

عندما يمتلئ الفلتر بالجسيمات، يمكن وضعه تحت الماء لتنظيفه، إذ يتميز الطلاء بقدرته العالية على مقاومة الماء، ما يجعل قطرات المياه تتجمع على سطحه في شكل كرات صغيرة بدلًا من الانتشار عليه.

وتساعد عملية الشطف على إزالة الجسيمات العالقة، وبعدها يمكن استخدام ضوء مصباح LED أو ضوء الشمس لإعادة الشحنة الكهربائية إلى مستواها الأصلي.

وأجرى الباحثون هذه العملية 100 مرة، وأظهرت النتائج أن الغسل أزال تقريبًا جميع الجسيمات المحتجزة، دون إتلاف الطلاء أو النسيج الموجود أسفله، مع احتفاظ الفلتر بمستوى الأداء نفسه.

ولم يرصد الفريق سوى كميات ضئيلة جدًا من الجاليوم والإنديوم المتسربة من الطلاء خلال دورات الغسل المتكررة.

وفي تجربة أخرى، أضاف الباحثون النحاس إلى إحدى نسخ الفلتر، وتمكنت هذه النسخة من التقاط فيروس كورونا المسبب عادة لأعراض خفيفة أو لا يسبب أعراضًا لدى البشر، وتعطيل 99.99% منه.

كما طور الفريق نماذج أولية لأقنعة وجه وشاشات تستخدم في الأماكن المفتوحة، اعتمادًا على الطلاء الجديد.

ما الذي لا تزال التقنية بحاجة إلى إثباته؟

رغم النتائج التي سجلتها التجارب، فإن جميعها أُجريت في ظروف معملية، ولم يتضح بعد كيف سيكون أداء المادة عند استخدامها في قناع يرتديه شخص، أو عند دمجها في جهاز لتنقية الهواء داخل منزل حقيقي.

وأشار يو إلى أن عملية التنظيف الذاتي للفلتر لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير، كما لم يتضح بعد مدى سهولة إنتاج المادة بكميات كبيرة أو دمجها في منتجات مختلفة.

وقال إن من بين الخطط المستقبلية للفريق العمل على نقل نظام تنقية الهواء المعتمد على الشحن الضوئي إلى الاستخدامات الواقعية، مع التركيز أيضًا على تطوير مسارات لتنقية الهواء في البيئات شديدة الظروف.

وقبل طرح هذه التقنية تجاريًا، سيكون من الضروري اختبار قدرتها على تحمل ظروف الاستخدام الفعلي، بما يشمل التعرض لأشهر من الغبار المنزلي، وتكرار عمليات الغسل، ومدى كفاءة مرور الهواء خلالها عند استخدامها في أقنعة الوجه.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى