تناول الأطفال للطعام في الأشهر الأولى من حياتهم لا يقتصر فقط على دعم النمو، بل يسهم أيضًا في تدريب الجسم على مواجهة التحديات المستقبلية.
كشفت دراسة علمية أن التحول من الحليب إلى الطعام الصلب يمكن أن يؤثر في طريقة استجابة الأمعاء للأمراض لسنوات طويلة.
ووجد باحثون من كلية بايلور للطب وجامعة تونغجي ومؤسسات أخرى أن هذا التغيير المبكر يؤسس لقاعدة قوية لصحة تدوم مدى الحياة.
تحول كبير داخل الأمعاء
تُعرف مرحلة الانتقال من الحليب إلى الطعام الصلب بـ”الفطام”، وخلال هذه المرحلة، تتعرض الأمعاء لأنواع جديدة ومتنوعة من الميكروبات التي تُكوّن ما يُعرف بـ”الميكروبيوم المعوي”، وهو عنصر أساسي في الحفاظ على الصحة.
وأوضح الدكتور لانلان شين أن الفطام يمثل تحولًا كبيرًا، إذ تتعرض الأمعاء فجأة لتنوع واسع من الميكروبات، ما يزيد من تنوعها ويحفّز استجابة مناعية مؤقتة لكنها ضرورية.
استجابة قصيرة وتأثير طويل
خلال الفطام، ينتج الجسم إشارات مناعية مثل IFNγ، ما يؤدي إلى استجابة التهابية قصيرة تُعرف بـ”تفاعل الفطام”، ورغم أن الالتهاب غالبًا ما يُنظر إليه كأمر ضار، فإنه في هذه الحالة يؤدي دورًا تدريبيًا مهمًا للجهاز المناعي.
تحدث هذه الاستجابة خلال فترة زمنية محددة في بداية الحياة، لكنها تترك آثارًا طويلة الأمد.
دور الخلايا الجذعية المعوية
تتجدد بطانة الأمعاء كل بضعة أيام بفضل الخلايا الجذعية المعوية، التي تتميز بطول عمرها وقدرتها على إنتاج خلايا جديدة باستمرار.
وأشار الدكتور لي يانغ إلى أن هذه الخلايا يمكن أن تحتفظ بمعلومات من المراحل المبكرة من الحياة وتنقلها إلى الأجيال اللاحقة من الخلايا، ما يؤثر في صحة الأمعاء لعقود.
إعادة برمجة الجينات
أظهرت الدراسة أن الميكروبات يمكنها تعديل نشاط الجينات دون تغيير الحمض النووي نفسه، من خلال عملية تُعرف بـ”مثيلة الحمض النووي”، وتؤدي هذه العملية إلى تشغيل أو إيقاف جينات معينة، خاصة تلك المرتبطة بالمناعة.
فعلى سبيل المثال، تصبح جينات MHC class II أكثر جاهزية للاستجابة بعد الفطام، ما يساعد الجسم على التفاعل بسرعة مع الميكروبات لاحقًا.
ذاكرة مناعية داخل الأمعاء
تُنشئ هذه التغيرات نوعًا من “الذاكرة المناعية” داخل بطانة الأمعاء، حيث تبقى هذه الذاكرة حتى بعد تحول الخلايا الجذعية إلى خلايا ناضجة.
وعند التعرض مجددًا للميكروبات، تستجيب هذه الخلايا بسرعة وكفاءة أعلى، ما يعزز الدفاعات المناعية.
أهمية أنواع معينة من البكتيريا
تلعب بعض البكتيريا دورًا أكبر في تدريب الجهاز المناعي، خاصة البكتيريا موجبة الغرام التي تحفّز إشارات مناعية مهمة.
كما تنتج بعض الميكروبات مركبات مثل الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، التي تدعم تنظيم الجينات وتطور الأمعاء بشكل صحي.
تأثير المضادات الحيوية
أظهرت الدراسة أن استخدام المضادات الحيوية في سن مبكرة يقلل من البكتيريا المفيدة، ما يؤدي إلى ضعف التعبير الجيني المرتبط بالمناعة.
وفي التجارب، أظهرت الفئران التي تعرضت للمضادات الحيوية مبكرًا ضعفًا في المناعة وزيادة في خطر الإصابة بالتهابات الأمعاء وسرطان القولون لاحقًا.
نافذة حرجة في بداية الحياة
أكدت النتائج أن هذه العملية تحدث بكفاءة أكبر خلال مرحلة الطفولة المبكرة، بينما تقل فعاليتها بشكل كبير إذا حدثت في مراحل لاحقة.
كما أظهرت التجارب أن نقل الميكروبات المفيدة في سن مبكرة كان أكثر تأثيرًا مقارنة بمحاولات لاحقة.
دلالات على الصحة طويلة المدى
رغم أن الدراسة أُجريت على الفئران، فإنها تقدم مؤشرات مهمة على صحة الإنسان، إذ تشير إلى أن أمراضًا مثل كرون والتهاب القولون التقرحي قد تبدأ جذورها في مرحلة الطفولة المبكرة.
وتعزز هذه النتائج أهمية التغذية المبكرة، والحفاظ على توازن الميكروبيوم، والاستخدام الحذر للمضادات الحيوية في دعم الصحة مدى الحياة.
