منذ أن بدأ الإنسان في تأسيس الدول والجيوش، رافق صعود السلطة سيل من المجازر والجرائم الجماعية التي لطّخت صفحات التاريخ. من مذابح التاريخ القديم إلى جرائم الحرب الحديثة، مرورًا بالإبادات الجماعية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، يبقى الثابت أن الضحايا غالبًا ما يكونون من المدنيين، وأن العدالة تأتي متأخرة، إن أتت أصلًا.
أولًا: مجازر ما قبل الحربين العالميتين
1. مذابح المغول (القرنين 13 و14)
- اجتاح جنكيز خان وجيوشه بلاد الصين وآسيا الوسطى وبلاد فارس والشرق الأوسط.
- في مذبحة نيسابور وحدها، يُقال إن أكثر من 1.7 مليون شخص قُتلوا.
- بغداد 1258: اجتاحها هولاكو وقتل أكثر من 200 ألف شخص، ودُمرت مكتباتها ومساجدها.
2. محاكم التفتيش (إسبانيا، من القرن 15 حتى 19)
- طالت اليهود والمسلمين والمسيحيين المخالفين للكنيسة.
- التعذيب والحرق والإعدام العلني.
- قُتل وأُعدم عشرات الآلاف.
3. الإبادة الجماعية في الكونغو البلجيكية (1885–1908)
- تحت حكم الملك ليوبولد الثاني.
- مقتل ما بين 10 إلى 15 مليون إفريقي.
- تم بتر أطراف العمال الأطفال والرجال في حال التقصير في إنتاج المطاط.
4. مجازر الأمريكيين الأصليين
- بدأت منذ القرن 16 واستمرت حتى القرن 19.
- الإبادة شبه الكاملة للشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية.
- قُتل الملايين بسبب الحروب، التجويع، والأوبئة المتعمدة.
ثانيًا: مجازر القرن العشرين
5. الإبادة الأرمنية (1915-1923)
- على يد الدولة العثمانية.
- قُتل ما لا يقل عن 1.5 مليون أرمني.
- تم التهجير القسري لمسافات طويلة، والتجويع، والإعدام.
6. الهولوكوست النازي (1939–1945)
- مقتل أكثر من 6 ملايين يهودي، وملايين آخرين من الغجر والمعاقين والمعارضين.
- تم ذلك عبر معسكرات اعتقال وإبادة ممنهجة.
7. الإبادة في كمبوديا (1975–1979)
- على يد نظام الخمير الحمر بقيادة بول بوت.
- قُتل نحو 2 مليون شخص (من أصل 8 ملايين).
- أُفرغت المدن، وأُجبر السكان على العمل القسري، وتمت تصفية المعارضين.
8. رواندا (1994)
- إبادة جماعية في 100 يوم.
- مقتل نحو مليون من التوتسي وبعض الهوتو المعتدلين.
- استخدام السكاكين والمنجل والاغتصاب كسلاح.
9. سريبرينيتسا (1995)
- مذبحة ضد المسلمين البوشناق على يد القوات الصربية.
- قُتل أكثر من 8,000 رجل وصبي في أيام معدودة.
10. العراق (2003–2008)
- الغزو الأمريكي تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل.
- مقتل مئات الآلاف من المدنيين.
- استخدام أسلحة محرمة، منها الفوسفور الأبيض واليورانيوم المنضب.
ثالثًا: غزة – المجزرة المتواصلة في القرن الـ21
منذ 7 أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة تحت قصف متواصل من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فيما يعتبره خبراء القانون الدولي جريمة إبادة جماعية ممنهجة.
الإحصاءات حتى يوليو 2025:
- الشهداء: أكثر من 39,000، غالبيتهم من النساء والأطفال.
- الجرحى: ما يزيد عن 90,000.
- النازحون: نحو مليوني إنسان.
- التدمير: 70% من المنازل دُمرت.
- انهيار النظام الصحي والتعليمي.
- استخدام أسلحة محرّمة مثل الفوسفور الأبيض.
- مجاعات في شمال القطاع.
رابعًا: موقف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية
الأمم المتحدة:
- قرارات أممية متكررة بإدانة الاستيطان والاحتلال، لكنها غير ملزمة.
- مجلس الأمن: عُرقلت قرارات وقف إطلاق النار أكثر من مرة بفعل الفيتو الأمريكي.
- تقارير متواصلة من الأمم المتحدة تصف ما يجري بأنه “تطهير عرقي” و”مجاعة مصطنعة”، لكن دون أي تحرك فعال.
المحكمة الجنائية الدولية:
- فتحت تحقيقًا في جرائم حرب محتملة في الأراضي الفلسطينية، لكن دون نتائج ملموسة.
منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وأطباء بلا حدود:
- وثّقت استخدام الأسلحة المحرّمة واستهداف المدنيين.
- حذّرت من انهيار القطاع الصحي والغذائي.
التناقض:
- نفس المؤسسات التي وصفت مجازر رواندا ويوغوسلافيا بالإبادة الجماعية، تقف عاجزة أو صامتة أمام مجزرة موثقة ومباشرة في غزة.
خلاصة
تكررت المجازر عبر التاريخ، وغالبًا ما وُوجهت بصمت عالمي، لتُكشف بعدها بسنوات في تقارير التاريخ وكتب الشهادات. لكن ما يُميز ما يحدث في غزة أنه يوثّق لحظة بلحظة بالصوت والصورة، ورغم ذلك، يستمر المجتمع الدولي في التخاذل، بل ويشارك بعض أعضائه في تمويل وتسليح آلة القتل.
ما يحدث في غزة يرقى إلى جريمة إبادة جماعية منظمة ومستمرة، حيث تُستهدف البنى التحتية المدنية، مع غياب الملاذ الآمن، والتجويع المتعمد، واستهداف الأطفال والنساء.
الفرق الأساسي أن الجرائم التاريخية كانت في زمن غياب أدوات التوثيق، أما غزة فتُوثّق بالصوت والصورة وبث مباشر، ومع ذلك يصمت العالم أو يتواطأ.
تشير منظمات حقوقية إلى أن قطاع غزة هو أخطر مكان على الأرض حاليًا بالنسبة للأطفال والمدنيين.
غزة اليوم ليست مجرد مذبحة، بل هي امتحان أخلاقي وتاريخي للإنسانية، قد يُكتب في كتب المستقبل كما كُتبت مجازر نيسابور، وأوشفيتز، ورواندا، ولكن مع فارق: العالم كله كان يرى ويسمع، ولم يفعل شيئًا.
