لا يُرى ولا يُشم ولا يُذاق.. غاز الرادون القاتل قد يتراكم داخل المنازل

من باطن الأرض إلى غرف النوم.. كيف يتحول الرادون إلى خطر صحي صامت؟

يُعد غاز الرادون أحد أخطر الملوثات الداخلية التي قد تتراكم داخل المنازل دون أن يشعر السكان بوجوده، فهو غاز مشع طبيعي لا لون له ولا رائحة ولا طعم، ويمكن أن يتسلل من التربة إلى المباني عبر الشقوق والفتحات الموجودة في الأساسات.

وتقدّر وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) أن التعرض للرادون يرتبط بنحو 21 ألف وفاة بسرطان الرئة سنويًا في الولايات المتحدة، من بينها نحو 2900 حالة بين أشخاص لم يسبق لهم التدخين.

ويُعد الرادون ثاني أكبر سبب لسرطان الرئة في الولايات المتحدة بعد التدخين، كما يمثل خطرًا أكبر بكثير على المدخنين مقارنة بغير المدخنين.

من أين يأتي غاز الرادون؟

ينشأ الرادون بصورة طبيعية نتيجة تحلل اليورانيوم والثوريوم والراديوم الموجودة في الصخور والتربة، ويتحرك الغاز من باطن الأرض إلى الهواء الخارجي، حيث يتشتت عادة ولا يشكل تركيزًا مرتفعًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتسرب إلى الأماكن المغلقة، إذ يمكن أن يدخل المنازل عبر شقوق الأساسات، وفتحات الأرضيات، ومصارف المياه، وحفر التجميع، والمساحات الموجودة أسفل المنازل، إلى جانب الفجوات المحيطة بالأنابيب والأسلاك.

وتكون مستويات الرادون عادة أعلى في الأقبية والطوابق السفلية، لأنها الأقرب إلى مصدر الغاز، بينما يؤدي ضعف التهوية إلى زيادة تراكمه.

لماذا تختلف مستويات الرادون من منزل إلى آخر؟

تتأثر تركيزات الرادون داخل المنازل بعوامل متعددة، أبرزها طبيعة الصخور والتربة والتضاريس وتركيب الأرض.

وأظهرت دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة Journal of the Air & Waste Management Association أن الجيولوجيا والتضاريس وتركيب التربة كانت من أهم العوامل المؤثرة في مستويات الرادون داخل المنازل في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي.

وتتجاوز متوسطات الرادون في معظم ولايات الغرب الأوسط الحد الذي تحدده وكالة حماية البيئة الأمريكية لاتخاذ إجراءات للحد من التعرض، بينما تتفاوت المستويات بصورة كبيرة حتى بين المنازل المتجاورة.

وسجلت ولايتا إلينوي وويسكونسن متوسطات بلغت نحو 5.3 و5.7 بيكوكوري لكل لتر من الهواء (pCi/L)، على التوالي، في حين تراوحت المتوسطات على مستوى ولايات الغرب الأوسط من 3.5 pCi/L في ميشيجان إلى 9.6 pCi/L في ساوث داكوتا.

وفي إلينوي، أظهرت دراسة على مستوى الولاية أن أكثر من 40% من المنازل لديها مستويات غير مقبولة من الرادون، بينما تجاوزت المستويات في بعض المقاطعات ضعف الحد الذي تحدده وكالة حماية البيئة.

الشتاء يزيد المشكلة

تميل مستويات الرادون داخل المنازل إلى الارتفاع خلال الشتاء، عندما تُغلق النوافذ والأبواب لفترات أطول للحفاظ على الحرارة، فتقل حركة الهواء والتهوية الطبيعية.

ومع ذلك، بدأت هذه العلاقة الموسمية تتغير في بعض المناطق مع الاستخدام المتزايد لتكييف الهواء خلال الصيف، ما يجعل المنازل مغلقة نسبيًا لفترات أطول من العام.

كيف يسبب الرادون سرطان الرئة؟

لا تكمن الخطورة في غاز الرادون وحده، وإنما في نواتج تحلله المشعة، المعروفة باسم «نواتج الرادون» أو Radon progeny.

وعند استنشاق هذه الجسيمات، يمكن أن تستقر على بطانة الرئتين وتطلق إشعاعًا يؤدي إلى إتلاف الخلايا، ومع استمرار التعرض قد يسهم هذا الضرر في تطور سرطان الرئة.

وتؤكد المعهد الوطني للسرطان والجمعية الأمريكية للسرطان أن سرطان الرئة هو السرطان الذي ثبت ارتباطه باستنشاق الرادون، بينما لا تزال الأدلة المتعلقة بوجود علاقة محتملة بين الرادون وسرطانات أخرى، مثل سرطان الدم، غير حاسمة.

التدخين يضاعف الخطر

يصبح التعرض للرادون أكثر خطورة لدى المدخنين، إذ لا يعمل التعرضان بصورة مستقلة، بل يمكن أن يتضافر تأثيرهما في زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة.

ووفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن خطر الإصابة بسرطان الرئة المرتبط بالرادون يكون أعلى بخمس مرات على الأقل لدى المدخنين مقارنة بمن لم يدخنوا مطلقًا.

ويشير خبراء إلى أن اكتشاف مستويات مرتفعة من الرادون داخل منزل يعيش فيه مدخنون يجعل تقليل التعرض أكثر أهمية.

ماذا عن ارتباط الرادون بالسكتة الدماغية؟

أثارت دراسات حديثة اهتمامًا بإمكانية وجود ارتباط بين التعرض للرادون وخطر السكتة الدماغية، لكن النتائج تحتاج إلى قراءة دقيقة ولا تثبت أن الرادون يسبب السكتات الدماغية.

ونشر باحثون من جامعة نورث كارولاينا دراستين منفصلتين في مجلة Neurology عام 2024.

تابعت الدراسة الأولى أكثر من 150 ألف امرأة بعد انقطاع الطمث لم يكن لديهن تاريخ سابق للإصابة بالسكتة الدماغية لمدة 13 عامًا.

ووجد الباحثون أن النساء اللواتي يعشن في مناطق تتجاوز فيها مستويات الرادون 4 pCi/L كن أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 14% مقارنة بمن تعرضن لمستويات أقل من 2 pCi/L، بينما ارتبطت المستويات المتوسطة بزيادة بلغت 6%.

أما الدراسة الثانية فتناولت العلاقة بين التعرض للرادون وتغيرات جينية جسدية تُعرف باسم «تكون الدم النسيلي» وقابلية الإصابة بالسكتة الدماغية، ولم تكن دراسة لقياس معدلات الإصابة بالسكتة مباشرة.

وشدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تثبت أن الرادون يسبب السكتة الدماغية، كما أن الدراسة الأولى اقتصرت على نساء في منتصف العمر وكبيرات السن، وكان معظم المشاركات من ذوات البشرة البيضاء، وهو ما يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع السكان.

هل توجد مستويات آمنة تمامًا؟

تحدد وكالة حماية البيئة الأمريكية مستوى 4.0 بيكوكوري لكل لتر من الهواء باعتباره مستوى يستدعي اتخاذ إجراءات للحد من التعرض.

لكن الجهات الصحية تؤكد في الوقت نفسه أنه لا توجد كمية معروفة من التعرض للرادون يمكن اعتبارها خالية تمامًا من المخاطر، ولذلك توصي وكالة حماية البيئة بالنظر في إجراءات التخفيف حتى عند مستويات أقل من حد التدخل الرسمي.

كما أشارت أبحاث السكتة الدماغية إلى احتمال ظهور تأثيرات صحية عند مستويات أقل من 4 pCi/L، إلا أن هذه النتائج لا تعني أن الحد التنظيمي الحالي قد ثبت أنه يسبب ضررًا عند المستويات الأقل منه.

اختبار المنزل هو الطريقة الوحيدة لمعرفة مستوى الرادون

لأن الرادون لا يمكن رؤيته أو شمه أو تذوقه، لا يستطيع السكان معرفة وجود مستويات مرتفعة منه بالاعتماد على الحواس.

ولا يوجد اختبار طبي شائع يمكنه تحديد مقدار تعرض الشخص للرادون، ولذلك يتركز الكشف على قياس الغاز داخل المبنى نفسه.

وتتوفر أجهزة اختبار منزلية قصيرة أو طويلة المدة، ويمكن شراء بعضها من متاجر الأدوات المنزلية أو عبر الإنترنت، بينما توفر بعض الجهات الصحية المحلية هذه الاختبارات، ثم تُرسل العينات إلى مختبرات متخصصة لقياس تركيز الرادون.

وتوصي وكالة حماية البيئة الأمريكية بإعادة اختبار المنازل دوريًا، بينما اتخذت بعض الولايات إجراءات تشريعية خاصة بالتوعية بالرادون عند بيع المنازل.

كيف يمكن التخلص من الرادون؟

إذا كشفت الاختبارات عن مستويات مرتفعة، يمكن تركيب نظام متخصص لتقليل تركيز الغاز داخل المنزل.

ويعتمد الحل الأكثر شيوعًا على أنبوب ومروحة تعمل على سحب الهواء المحمل بالرادون من أسفل المبنى وطرده إلى الخارج قبل أن يتراكم في الأماكن المغلقة.

وتختلف تكلفة تركيب أنظمة المعالجة وفق حجم المنزل وموقعه وطبيعة أساساته، إلا أن التقديرات الواردة من مسؤولين في إلينوي تشير إلى نطاق يتراوح عادة بين 800 و1200 دولار.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن متوسطات الرادون على مستوى ولاية أو منطقة واسعة لا تستطيع تحديد مستوى الخطر في منزل بعينه، لأن التركيزات قد تختلف بشدة من مبنى إلى آخر، بل ومن شارع إلى آخر، تبعًا للجيولوجيا المحلية.

الخطر الصامت يحتاج إلى قياس

قد لا يعطي التعرض للرادون أي علامة واضحة في الحياة اليومية، لكن تراكمه لفترات طويلة داخل المنزل قد يزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة، خصوصًا لدى المدخنين.

ولهذا فإن الطريقة العملية لمعرفة ما إذا كان المنزل يحتوي على مستويات مرتفعة من الغاز هي إجراء اختبار مخصص للرادون.

وفي حال اكتشاف مستويات مرتفعة، يمكن اتخاذ إجراءات لتقليل التركيز ومنع تراكم الغاز داخل أماكن المعيشة، ما يجعل القياس خطوة أساسية في التعامل مع هذا الخطر غير المرئي.

Exit mobile version