كشفت دراسة علمية جديدة عن دور واعد لبعض بكتيريا التربة في مساعدة المحاصيل الزراعية على مقاومة الملوحة المتزايدة، وهي إحدى أخطر المشكلات التي تهدد الأراضي الزراعية والإنتاج الغذائي حول العالم في ظل تغير المناخ وارتفاع مستويات البحار وتوسع أنظمة الري المكثف.
وأظهرت الدراسة أن أنواعًا محددة من البكتيريا تعيش بالقرب من جذور النباتات قادرة على تعزيز قدرتها على تحمل الإجهاد الملحي، من خلال آلية بيولوجية غير متوقعة تختلف عن جميع التفسيرات التقليدية المعروفة سابقًا.
تهديد متزايد للأراضي الزراعية
تمثل ملوحة التربة تحديًا متناميًا للقطاع الزراعي العالمي، إذ تتراكم الأملاح تدريجيًا في الأراضي المروية نتيجة تبخر المياه، كما تتعرض المناطق الساحلية لتسرب المياه المالحة مع ارتفاع مستوى سطح البحر.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances، إحدى أبرز الدوريات العلمية المتخصصة في الأبحاث متعددة التخصصات.
ومع استمرار تغير المناخ، تتفاقم المشكلة بوتيرة متسارعة، ما يؤدي إلى تراجع خصوبة الأراضي وانخفاض إنتاجية المحاصيل، ويهدد الأمن الغذائي لملايين البشر حول العالم.
ويؤكد العلماء أن مئات الملايين من الهكتارات الزراعية أصبحت متأثرة بدرجات متفاوتة من الملوحة، فيما تتسع رقعة الأراضي المعرضة للخطر عامًا بعد عام.
البحث عن حلفاء طبيعيين للنباتات
قاد الدراسة الباحثة يانفين تشنغ من الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية، بمشاركة علماء من جامعة إيست أنجليا البريطانية ومؤسسات بحثية دولية أخرى.
وسعى الفريق إلى فهم كيفية استجابة النباتات للملوحة على مستوى الكائنات الدقيقة التي تعيش حول الجذور، فيما يُعرف بـ”الميكروبيوم الجذري”.
وشملت الدراسة عدة محاصيل مهمة، بينها الذرة والطماطم والكانولا وفول الصويا، إضافة إلى أنواع مختلفة من التربة، بهدف معرفة ما إذا كانت هناك أنماط مشتركة في استجابة النباتات للظروف المالحة.
بكتيريا تظهر كلما ارتفعت الملوحة
لاحظ الباحثون نمطًا متكررًا في جميع المحاصيل المدروسة تقريبًا، إذ تزايد وجود مجموعة من البكتيريا المعروفة باسم “السودوموناس” أو البكتيريا الزائفة حول جذور النباتات عند تعرضها للإجهاد الملحي.
ويشير هذا التكرار إلى أن النباتات قد تكون قادرة على استقطاب هذه البكتيريا بشكل انتقائي عندما تواجه ظروفًا بيئية صعبة.
كما تبين أن هذه البكتيريا تمتلك جينات متخصصة تساعدها على البقاء في البيئات مرتفعة الملوحة، بما في ذلك أنظمة متطورة لنقل أيونات الصوديوم وآليات مقاومة الإجهاد البيئي.
نتائج واعدة في الحقول الزراعية
لاختبار تأثير هذه البكتيريا عمليًا، قام الباحثون بإضافتها إلى نباتات فول الصويا المزروعة في تربة مالحة.
وأظهرت النتائج، سواء داخل البيوت الزجاجية أو في التجارب الحقلية، تحسنًا ملحوظًا في نمو النباتات مقارنة بالنباتات غير المعالجة.
فقد طورت النباتات جذورًا أقوى، ونمت بصورة أفضل، كما سجلت إنتاجية أعلى رغم تعرضها لمستويات الملوحة نفسها.
مفاجأة غير متوقعة
لطالما اعتقد العلماء أن مقاومة النباتات للملوحة تعتمد أساسًا على قدرتها على تنظيم تركيز الصوديوم داخل أنسجتها ومنع تراكمه بمستويات ضارة.
لكن الدراسة كشفت أن البكتيريا لا تساعد النباتات عبر التحكم المباشر بالأملاح كما كان متوقعًا.
وبدلًا من ذلك، تحفز هذه الكائنات الدقيقة إنتاج مادة تُعرف باسم “اللجنين”، وهي مركب عضوي يمنح الخشب والنباتات الصلابة والمتانة.
وقد أظهرت التحليلات أن جذور النباتات المعالجة بالبكتيريا احتوت على مستويات أعلى بكثير من اللجنين، تجاوزت في بعض الحالات 30% مقارنة بالنباتات غير المعالجة.
درع بيولوجي جديد
يؤدي ارتفاع مستويات اللجنين إلى تقوية جدران الخلايا النباتية وزيادة متانتها، ما يساعد النباتات على تحمل الظروف القاسية بشكل أفضل.
وبذلك لا تعتمد النباتات على منع دخول الأملاح فقط، بل تصبح أكثر قدرة على الصمود أمام تأثيراتها الضارة.
ويمثل هذا الاكتشاف تحولًا مهمًا في فهم آليات مقاومة الملوحة، إذ يكشف عن مسار بيولوجي جديد لم يكن يحظى بالاهتمام الكافي في الدراسات السابقة.
إثبات الآلية الجينية
لم يكتفِ الباحثون بملاحظة العلاقة بين البكتيريا واللجنين، بل تمكنوا من تحديد الجينات المسؤولة عن هذه الاستجابة.
وأظهرت التجارب أن زيادة نشاط هذه الجينات عزز قدرة النباتات على النمو في البيئات المالحة، بينما أدى تعطيل إنتاج اللجنين إلى فقدان التأثير الإيجابي للبكتيريا حتى عندما كانت موجودة حول الجذور.
وتؤكد هذه النتائج أن العلاقة بين البكتيريا وإنتاج اللجنين علاقة سببية مباشرة وليست مجرد ارتباط إحصائي.
أهمية للأمن الغذائي العالمي
يرى العلماء أن هذه النتائج قد تفتح الباب أمام تطوير حلول زراعية حيوية تعتمد على الميكروبات الطبيعية بدلًا من الاعتماد المكثف على المواد الكيميائية والأسمدة.
ويمكن استخدام هذه البكتيريا في صورة مستحضرات حيوية تضاف إلى التربة أو البذور لمساعدة المحاصيل على النمو في الأراضي المتأثرة بالملوحة.
ومع اتساع رقعة الأراضي المالحة حول العالم، قد تصبح هذه التقنيات أداة أساسية للحفاظ على الإنتاج الزراعي وضمان استدامة الأمن الغذائي في مواجهة تغير المناخ.
خطوة نحو زراعة أكثر مرونة
تبرز أهمية هذا الاكتشاف في كونه يعتمد على كائنات طبيعية موجودة بالفعل في البيئة، ما يجعله أكثر استدامة وأقل تكلفة مقارنة ببعض الحلول التقنية الأخرى.
ويأمل الباحثون أن تسهم الدراسات المستقبلية في تطوير تطبيقات تجارية واسعة النطاق لهذه البكتيريا، بما يساعد المزارعين على استعادة إنتاجية الأراضي المتضررة من الملوحة وتقليل الخسائر الزراعيه المتزايدة.
