يشهد أرخبيل سفالبارد النرويجي سباقًا علميًا محمومًا لدراسة الميكروبات القطبية النادرة، في ظل تسارع ذوبان الأنهار الجليدية الناتج عن الاحترار العالمي، حيث ترتفع درجة حرارته بمعدل يفوق المتوسط العالمي بسبع مرات.
الدكتور آروين إدواردز، الباحث الرائد في بيئة الأنهار الجليدية، يصف مشاهد عمله الأخيرة على أحد الأنهار الجليدية بأنها “مثل العمل وسط مدينة تحترق أثناء غارة ليلية”، بعد أن تحولت المنطقة بفعل الحرارة القياسية إلى شلالات من مياه الذوبان وصخور متساقطة.
وعلى مدار عقدين من البحث في البيئات القطبية، كان إدواردز يشعر بالراحة والأمان فوق الجليد، لكن تسارع انهيار المناخ بدأ يبدد هذا الإحساس.
فعلى الرغم من أن متوسط درجات الحرارة العالمية لم يتجاوز بعد حاجز 1.5 درجة مئوية المستهدف في اتفاقية باريس، فإن القطب الشمالي قد تخطى ذلك منذ زمن، وسفالبارد تحديدًا تشهد احترارًا أسرع بسبع مرات من المتوسط العالمي.
ويؤكد العلماء أن الوقت ينفد لفهم هذه النظم البيئية الهشة، وما قد تسببه من تكاليف مناخية تقدر بتريليونات الدولارات.
“حراس” و”محفزات” لذوبان القطب الشمالي
الميكروبات التي تعيش في الجليد والثلوج ليست مجرد كائنات هامشية، بل هي “حراس” و”محفزات” لذوبان القطب الشمالي، إذ تشارك في حلقات تغذية راجعة إيجابية تسرّع الذوبان.
ومع أن أكثر من 70% من المياه العذبة في العالم مخزنة في الجليد والثلوج، ويعتمد مليارات البشر على الأنهار المغذية بالجليد، فإن تأثير هذه الكائنات الدقيقة له انعكاسات عالمية عميقة.
لكن ليست كل الميكروبات القطبية مسرّعة للاحتباس الحراري، إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض الأنواع تعمل – حتى الآن – على الحد من انبعاثات الميثان، أحد أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
حتى وقت قريب، كان الاعتقاد السائد أن الثلوج والجليد في القطب الشمالي بيئات شبه عقيمة. لكن في أحد أنهار سفالبارد الجليدية، يوضح إدواردز أن كل سنتيمتر مكعب من الثلج يحتوي على مئات إلى آلاف الخلايا الحية، إضافة إلى أربعة أضعاف هذا العدد من الفيروسات، في بيئة ميكروبية معقدة تضاهي التربة الخصبة.
وتُظهر الدراسات أن بعض الميكروبات قادرة على تحفيز تكوّن بلورات الثلج نفسها.
ثلج البطيخ
وفي فصل الصيف، تزدهر على سطح الثلوج طحالب حمراء تعرف بـ”ثلج البطيخ” أو “الثلج الدموي”، وصفها أرسطو قبل قرون.
أما تحت الثلوج، فتوجد بيئات غنية أخرى في الجليد الصلب، حيث تكافح الميكروبات للبقاء وسط البرودة القاسية، وقلة المغذيات، وتغيرات الضوء بين ظلام الشتاء الدائم وأيام الصيف المستمرة.
ومن أبرز هذه البيئات “حبيبات الكريوكونايت”، وهي جزيئات داكنة تشكل نظمًا بيئية مصغرة تضم بكتيريا وفطريات وفيروسات وكائنات دقيقة متعددة الخلايا.
ورغم دورها المحوري، يتعامل معها بعض علماء الجليد على أنها “شوائب”، وهو ما يرفضه إدواردز بشدة.
تفرز الميكروبات التي تعيش في الجليد أصباغًا داكنة لحماية نفسها من الأشعة فوق البنفسجية وجمع الطاقة الشمسية، كما تحتجز جزيئات الغبار الداكن، ما يزيد من امتصاص الجليد للحرارة ويعجّل بذوبانه، في عملية تُعرف بـ”التعتيم البيولوجي”.
وتؤدي عوامل أخرى – مثل زيادة المغذيات الناتجة عن التلوث والدخان والغبار – إلى تسريع نمو هذه الكائنات، مما يعزز الحلقة المفرغة لذوبان الجليد.
وتظهر هذه الظاهرة بوضوح كل صيف على مساحة تتجاوز 100 ألف كيلومتر مربع في جنوب غرب جرينلاند، حيث يُعزى ما بين 4.4 و6 جيجا طن من مياه الذوبان – أي نحو 13% من إجمالي الذوبان هناك – إلى الميكروبات المظلمة اللون، وفق دراسة نُشرت عام 2020.
ورغم إدراج هذه التأثيرات في تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإنها لم تُدمج بعد في النماذج المناخية الرسمية.
تنتج كميات كبيرة من الميثان
ويعتمد أكثر من ملياري شخص حول العالم – من جبال الألب الأوروبية إلى جبال الهيمالايا وآسيا الوسطى – على مياه ذوبان الأنهار الجليدية للشرب والزراعة وتوليد الطاقة، ومع ذلك، حتى إذا تم الالتزام بأهداف اتفاق باريس، فإن نصف هذه الأنهار الجليدية لن يصمد حتى نهاية القرن.
إلى جانب خطر التعتيم البيولوجي، يمثل الميثان تهديدًا آخر، ففي مناطق شاسعة من القطب الشمالي، تحجز الأنهار الجليدية والطبقة الجليدية الدائمة مخزونات ضخمة من هذا الغاز تحت الأرض.
وكشفت أبحاث حديثة أن الميكروبات في أعماق الجليد يمكن أن تنتج كميات كبيرة من الميثان، وأن ذوبان الجليد قد يطلق هذه الانبعاثات.
على الضفة المقابلة لمدينة لونجييربين، يوضح البروفيسور آندي هودسون ظاهرة “البيونجوز” – تلال ناتجة عن تدفق المياه الجوفية المضغوطة عبر الأرض المتجمدة، محملة بكميات هائلة من الميثان.
ويصف الأمر بأنه أشبه بعملية “تكسير هيدروليكي” طبيعية تدفع الغاز إلى السطح. إلا أن بعض هذه المواقع تؤوي ميكروبات “آكلة للميثان” تنافس الميكروبات المنتجة له، فتقلل من انبعاثاته.
“نهر جليدي يحتضر”
لكن على الرغم من هذه الدفاعات البيولوجية، يقف إدواردز على نهر جليدي آخر في سفالبارد ويشير إلى انخفاض سطحه أربعة أمتار منذ الصيف الماضي، واصفًا إياه بأنه “نهر جليدي يحتضر”.
ويشبّه فقدان المواطن الميكروبية الفريدة فيه بما يحدث للشعاب المرجانية عند ابيضاضها، محذرًا من ضياع موارد بيولوجية قد تفتح آفاقًا طبية وصناعية هائلة.
لهذا، يدعو إلى إنشاء “بنك ميكروبات قطبية” يحفظ هذا التنوع البيولوجي للأجيال القادمة، على غرار “بنك البذور العالمي” القريب من الموقع.
ويؤكد أن مصير الحياة البرية في القطب الشمالي – بما فيها الحيتان البيضاء التي تعتمد غذائيًا على سلاسل غذائية تبدأ من الميكروبات – يرتبط مباشرة بهذه الكائنات الدقيقة.
ويختتم إدواردز حديثه بمقارنة مؤثرة بين رحلاته المتكررة إلى القطب الشمالي وزيارته لوالده المريض بالخرف الوعائي: “في كل مرة ترى مزيدًا من الفقد، لكنه فقد تدريجي لا تدركه يومًا بيوم”.
