هذه صورة عم رجب حين زرته في مزرعته في صحراء الواحات الخارجة.
أكرم عم رجب ضيافتنا بأن ملأ وعاء من شجرة صغيرة على ضفاف مزرعته تطرح ما يمكن أن تسميه “تفاح الصحراء ” المشهور باسم “النبق”.
كنت قد سمعت اسم “النبق” في طفولتي قبل أن أعرف مذاقه أو لونه. ففي واحد من أفلام الأبيض وأسود أذكر حوارا لماري منيب تزف لابنها (كمال الشناوي) بشرى أنها وجدت له عروسا “حلوة خالص ومناخيرها قد النبق”.
النبق ثمر لا نظير له بين فواكه الدنيا، حلاوة ورشاقة وطعم لم تصبه بعد ثورة الهندسة الوراثية.
كما أنه ينمو هنا في تربة الصحراء على ضفاف الواحات.
حين توقفنا عند عم رجب في مصادفة لنلتقط أنفاسنا من العمل في الصحراء استقبلنا بحفاوة وسمح لنا بأن نحشو جيوبنا بالنبق الذي ظل معنا مدة يومين، غير الذي التهمناه من الشجرة رأسا.
في المرة الثانية قررت ألا أستهل ترحال جديد في صحراء الواحات إلا بعد زيارة عم رجب.
قررت أن تكون مزرعته محطتنا الأولى لاسترجاع طاقة وحماس العمل من العام الماضي ( وأخذ رصيد من تفاح الصحراء).
بحثت عنه في كل أرجاء المزرعة لكني لم أجده. وجدت المزرعة أقل جمالا من المرة السابقة، شجرة النبق خالية من الثمار ، المياه أقل في قنوات الري، بحثت عنه هنا وهناك دون جدوى.
لم أشعر بكثير قلق عليه، فآثار أكواب الشاي وعدة النرجيلة تقول إنه كان هنا قبل أسبوع على الأكثر، ربما سافر إلى أولاده في بلدة المنيرة هناك في قلب الواحة.
ما زلت أذكر انه كان قد اشتكى من عبء المشروع الزراعي بعدما طلبت المحافظة منه دفع قيمة الأرض التي جاء ليزرعها.
يقول عم رجب “لقد حولتها من رمال صفراء مجدبة إلى أشجار ونخيل..لماذا أدفع مقابل الأرض، لماذا لم تأت المحافظة قبلي وتستصلحها بنفسها وهي قطعة من بحر الرمال؟!”.
الحقيقة أن المبلغ الذي تطلبه المحافظة من عم رجب عن الأفدنة العشرة التي استصلحها ليس كبيرا بمعايير المستثمرين، لكنه كبير بالنسبة لتواضع حاله وقدراته وشكواه من ارتفاع أسعار الوقود الذي يعتمد عليه في ماكينات ضخ المياه الجوفية.
يخوض عم رجب كفاحا آخر للسعي وراء المياه الجوفية التي ينخفض منسوبها من عام إلى آخر مما يتطلب مزيدا من الحفر وتكاليف إضافية، يكافح عم رجب أيضا آفات الزراعة، الحر اللافح نهارا والبرد الزمهرير ليلا، واليقظة حتى لا تغافله الرمال المتحركة وتهلك أشجاره وحقوله الضعيفة.
لم أشعر أنني عدت إلى الخارجة بعد، عم رجب كان يعطي المكان بهجته.
الأماكن ثرية ورائعة وعبقرية بناسها وأهلها وساكنيها، وقديما قالوا “الجنة من غير ناس ما تنداس”.
الناس الذين يقصدهم المثل ليسوا كل الناس…المقصود طبعا ناس زي عم رجب.
