لا تقتصر تأثيرات الأعاصير على تحريك مياه المحيط فقط، بل قد تمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الميكروبية عبر أعماقه، وفقًا لدراسة حديثة.
تشير الدراسة إلى أن المحيط ليس كتلة واحدة متجانسة من المياه، بل طبقات مختلفة تتوزع فيها أنواع متعددة من البكتيريا، حيث تعيش كل مجموعة في بيئة محددة وفقًا للعمق ودرجة الحرارة والإضاءة.
رصد نادر أثناء الإعصار
خلال يوليو 2018، كان فريق بحثي على متن سفينة علمية في بحر الصين الشرقي الجنوبي عندما ضرب إعصار “ماريا” المنطقة بشكل مفاجئ.
وقد أتاح التوقيت النادر للباحثين فرصة فريدة لجمع عينات من المياه قبل العاصفة مباشرة وبعدها، وهو ما يُعد حدثًا علميًا يصعب تكراره.
قاد الدراسة الباحثة وان-هسوان تشنغ من جامعة تايوان الوطنية، حيث جُمعت عينات من عدة أعماق في ثماني محطات مختلفة لرصد البكتيريا العائمة التي تلعب دورًا رئيسيًا في الدورات الكيميائية للمحيطات.
نظام طبقي دقيق في المحيط
في الظروف الطبيعية، تتوزع البكتيريا في طبقات واضحة:
- طبقات سطحية دافئة ومضيئة تحتوي على بكتيريا متخصصة في بيئات فقيرة بالمغذيات مثل مجموعة SAR11
- طبقات أعمق مظلمة وباردة تضم أنواعًا مختلفة قادرة على تحمل الضغط وقلة الضوء
كيف يغير الإعصار النظام البحري؟
تؤدي الأعاصير إلى خلط عمودي قوي لمياه المحيط، حيث تُدفع المياه العميقة الغنية بالمغذيات إلى السطح، بينما تهبط المياه السطحية إلى الأسفل.
وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى ازدهار في العوالق النباتية وزيادة في تركيز الكلوروفيل، وهو ما ظهر بوضوح بعد مرور إعصار ماريا.
إعادة تشكيل المجتمعات البكتيرية
لكن المفاجأة لم تكن في سطح المحيط فقط، بل في التحليل الجيني للبكتيريا عبر الأعماق.
فقد أظهرت النتائج تغيرًا في الهيمنة البكتيرية؛ إذ تراجعت الأنواع المتخصصة في بيئات فقيرة بالمغذيات لصالح بكتيريا سريعة النمو تستفيد من وفرة الغذاء المفاجئة.
ورغم هذا التغير، ظل إجمالي عدد البكتيريا وتنوعها العام مستقرًا نسبيًا، لكن ما تغير هو “من يهيمن” داخل النظام.
تقارب بين الطبقات المختلفة
أحد أبرز النتائج كان أن الفروق بين طبقات المحيط تقلصت بعد الإعصار.
فالمجتمعات البكتيرية في السطح والأعماق، والتي كانت مختلفة بشكل كبير قبل العاصفة، أصبحت أكثر تشابهًا بعدها، في تحول سريع خلال أيام قليلة فقط.
أسئلة علمية مفتوحة
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التحول ناتجًا عن النقل الفيزيائي المباشر للبكتيريا بين الطبقات، أم عن التغير في توفر المغذيات الذي أعاد تشكيل المجتمعات الميكروبية في كل الأعماق.
كما لا يعرف العلماء بعد مدة استمرار هذا التأثير، وما إذا كانت الطبقات تعود تدريجيًا إلى حالتها الأصلية.
في ظل تغيّر المناخ
تشير الدراسات المناخية إلى أن الأعاصير القوية قد تصبح أكثر تواترًا وشدة في المستقبل، ما يعني أن مثل هذه الاضطرابات في النظام الميكروبي للمحيطات قد تصبح أكثر شيوعًا.
وتساعد هذه النتائج العلماء على فهم كيفية تأثير العواصف على دورة الكربون والعناصر الغذائية في المحيطات، وهو ما قد ينعكس على النماذج المناخية العالمية.
