تشهد بريطانيا واحدة من أسوأ مواسم حرائق الغابات في تاريخها الحديث، بعدما تجاوز عدد الحرائق المسجلة في إنجلترا وويلز حتى منتصف أغسطس إجمالي العام الماضي، في وقت تواجه فيه البلاد موجة الحر الخامسة هذا العام وظروفًا شديدة الجفاف رفعت قابلية الأراضي للاشتعال.
وقال رئيس المجلس الوطني لرؤساء الإطفاء، فيل جاراجان، إن عدد حرائق الغابات تجاوز بالفعل الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2025 والبالغ 1,017 حريقًا، محذرًا من أن موسم الحرائق الحالي قد يمتد حتى نوفمبر، ما يعني أن الحصيلة مرشحة للارتفاع بصورة كبيرة.
النيران تنتقل من الحقول إلى المنازل
برزت خطورة الوضع بصورة خاصة في مدينة ستوربريدج بمنطقة ويست ميدلاندز، حيث اندلع حريق واسع في الأراضي العشبية قبل أن تنتقل النيران سريعًا إلى المناطق السكنية وتلتهم منازل.
ووفق أحدث التقارير، دُمر 19 منزلًا بالكامل في ستوربريدج، بينما تعرض 18 منزلًا آخر لأضرار، واضطر مئات السكان إلى مغادرة منازلهم مع اقتراب النيران من المناطق السكنية. كما تلقى عشرات الأشخاص العلاج بعد اندلاع حرائق متعددة في المنطقة، ونُقل عدد منهم إلى المستشفيات.
وفي مناطق أخرى من ويست ميدلاندز، اندلعت حرائق في الأراضي العشبية والغابات، بينما امتدت تأثيرات الحرائق إلى البنية التحتية، مع إغلاق مؤقت لطريق سريع وتعطل بعض خدمات القطارات بسبب الدخان والحرائق.
بريطانيا تسجل 38.1 درجة مئوية
تزامنت الحرائق مع تسجيل بريطانيا أعلى درجة حرارة لها هذا العام، بعدما بلغت الحرارة في غرب لندن 38.1 درجة مئوية يوم الخميس 13 أغسطس.
وتعد هذه الدرجة خامس أعلى حرارة مسجلة في تاريخ المملكة المتحدة، وفق مكتب الأرصاد الجوية البريطاني، في وقت تشهد فيه البلاد موجة الحر الخامسة خلال عام 2026. كما سجلت مدينة بيرشور في وسط إنجلترا نحو 38 درجة مئوية.
ولم تكن الحرارة المرتفعة وحدها مصدر الخطر؛ إذ جاءت بعد فترة طويلة من الجفاف أدت إلى جفاف الغطاء النباتي والتربة، لتتحول مساحات واسعة من الأعشاب والنباتات اليابسة إلى وقود سريع الاشتعال.
بريطانيا برميل بارود
حذر رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام من خطورة الوضع، واصفًا البلاد بأنها أصبحت أشبه بـ**«برميل بارود»**، مؤكدًا أن الخطر لم ينتهِ بعد.
وقال إن نحو 37 حريقًا كانت لا تزال مشتعلة أو تتصاعد منها الأدخنة في أنحاء البلاد، بينما اضطرت خدمات الطوارئ إلى التعامل مع عدد كبير من البلاغات في وقت واحد.
وأعلنت السلطات البريطانية، مساء الجمعة، إرسال تنبيه طوارئ إلى الهواتف المحمولة في أنحاء إنجلترا وويلز، لتحذير السكان من ارتفاع خطر حرائق الغابات ومطالبتهم بتجنب أي نشاط يمكن أن يؤدي إلى إشعال النيران.
وشمل التحذير أنشطة مثل استخدام حفلات الشواء التي يمكن التخلص منها، وإشعال النيران في الحدائق، والألعاب النارية، وغيرها من مصادر الاشتعال المحتملة.
الجفاف يضاعف الخطر
تكشف بيانات الحكومة البريطانية حجم الضغوط البيئية التي سبقت موجة الحر الحالية؛ إذ يعيش نحو 45 مليون شخص في مناطق متأثرة بالجفاف، بينما يواجه نحو 27 مليون شخص قيودًا على استخدام المياه.
ويعني استمرار الجفاف أن النباتات والأراضي العشبية تفقد جزءًا كبيرًا من رطوبتها، وبالتالي تصبح أكثر قابلية للاشتعال، بينما يمكن للرياح والحرارة المرتفعة تسريع انتشار النيران لمسافات كبيرة خلال وقت قصير.
وهذا ما ظهر بوضوح في حرائق ستوربريدج، حيث تمكنت النيران من الانتقال من الأراضي العشبية إلى المنازل بسرعة كبيرة، ما ترك السكان أمام وقت محدود للغاية للإخلاء.
خدمات الإطفاء تحت ضغط غير مسبوق
لم تقتصر الأزمة على ارتفاع عدد الحرائق، بل امتدت إلى قدرة أجهزة الطوارئ على التعامل معها في الوقت نفسه.
وقال رئيس المجلس الوطني لرؤساء الإطفاء إن خدمات الإطفاء والإنقاذ واجهت طلبات دعم تجاوزت في بعض الحالات قدرتها التشغيلية، فيما أعلنت السلطات وقوع 11 حادثًا كبيرًا خلال 24 ساعة.
وفي بعض المناطق، تعمل فرق الإطفاء بالتعاون مع الجيش للمساعدة في مواجهة الحرائق، بينما تستعد الحكومة لعقد قمة مع أجهزة الطوارئ لبحث احتياجاتها من الموارد والمعدات.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه أجهزة الإطفاء البريطانية تحديات تتعلق بالموارد البشرية والمعدات، ما يزيد صعوبة التعامل مع موسم حرائق يتجاوز الأرقام القياسية السابقة.
الحرائق لم تعد ظاهرة صيفية عابرة
المثير للقلق بالنسبة للسلطات البريطانية هو أن موسم الحرائق يبدو أطول من المعتاد.
فبدلًا من انتهاء الخطر مع تراجع درجات الحرارة في نهاية الصيف، تشير تقديرات مسؤولي الإطفاء إلى أن موسم حرائق الغابات قد يستمر حتى نوفمبر هذا العام.
ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في طبيعة المخاطر التي تواجهها بريطانيا، إذ تتزامن فترات الحرارة الشديدة مع فترات أطول من الجفاف، ما يخلق ظروفًا أكثر ملاءمة لنشوب الحرائق وانتشارها.
وتشهد أوروبا عمومًا موسمًا شديد القسوة من حرائق الغابات خلال صيف 2026، مع اندلاع حرائق واسعة في فرنسا وإسبانيا وألمانيا واليونان وكرواتيا ودول أخرى، بالتزامن مع موجات حرارة وجفاف شديدة.
تغير المناخ يغير خريطة الحرائق
لا يمكن اعتبار كل حريق نتيجة مباشرة لتغير المناخ، إذ قد تبدأ النيران بسبب عوامل بشرية أو طبيعية مختلفة، لكن ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الجفاف يمكن أن يهيئا الظروف التي تجعل الحرائق أكثر سرعة وانتشارًا وصعوبة في السيطرة عليها.
وتشير التطورات الأخيرة في بريطانيا إلى أن خطر الحرائق لم يعد مقصورًا على المناطق الريفية النائية؛ فقد أصبحت الأراضي العشبية القريبة من المدن والمناطق السكنية مصدر تهديد مباشر للمنازل والسكان.
وفي ستوربريدج، تحولت المساحات الجافة المحيطة بالمناطق السكنية إلى نقطة انطلاق لواحد من أكثر الحرائق تدميرًا خلال الموسم الحالي، بينما اضطر السكان إلى مغادرة منازلهم تحت ضغط انتشار النيران والدخان.
موسم قياسي لم ينتهِ بعد
ومع تجاوز عدد حرائق الغابات في إنجلترا وويلز حصيلة عام 2025 قبل نهاية أغسطس، واستمرار موجة الحر والجفاف، تواجه بريطانيا احتمال تسجيل موسم حرائق استثنائي من حيث العدد والانتشار.
ولا تتوقف المخاوف عند الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات؛ فالحرائق واسعة النطاق تهدد الغابات والأراضي الزراعية والتنوع البيولوجي، كما تؤدي إلى تدهور جودة الهواء وزيادة الضغوط على خدمات الطوارئ.
وفي الوقت الذي تحاول فيه فرق الإطفاء السيطرة على الحرائق الحالية، يبقى التحدي الأكبر هو منع اشتعال المزيد من المناطق في ظل استمرار الظروف المناخية الجافة والحارة.
وبريطانيا التي اشتهرت تاريخيًا بطقسها المعتدل والرطب، تواجه الآن واقعًا جديدًا: صيف أكثر حرارة وجفافًا، وموسم حرائق يمتد لفترة أطول، ومخاطر باتت تقترب بصورة متزايدة من المدن والمنازل.
التاجات
