تلوث بلاستيكي “يطقطق” تحت أجنحة الطيور.. اكتشاف ألياف بلاستيكية على عمق ثلاثة أميال تحت سطح البحر
توصل تحليل علمي جديد إلى أن تناول البلاستيك يمكن أن يؤدي إلى تعطيل البروتينات التي تُسهم في تنفيذ الوظائف الحيوية لدى الطيور البحرية، في أحدث سلسلة من الاكتشافات المقلقة حول تلوث المحيطات بالبلاستيك.
وغالبًا ما يصعب على الطيور البحرية التمييز بين وجبة حبار وبين قطعة من الحطام البلاستيكي. ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة ساينس أدفانسز، فإن هذا الخلط قد يخلّف آثارًا مدمّرة على الطيور وصغارها.
فقد حلل العلماء التغيرات التي طرأت على أكثر من 700 بروتين وُجدت في أجسام طيور النوء الأسود الملوثة بالبلاستيك، والتي تم العثور عليها في جزيرة “لورد هاو” النائية الواقعة بين أستراليا ونيوزيلندا.
وكشفوا أن البلاستيك الذي ابتلعته هذه الطيور خلّف آثارًا صحية مقلقة، حيث أظهرت علامات على أمراض مزمنة ومشكلات تنكسية عصبية، من شأنها أن تؤثر على قدرتها على التزاوج.
تضاف هذه النتائج إلى سلسلة أبحاث سابقة تناولت الآثار الضارة لتلوث البلاستيك على الكائنات البحرية.
فالمشكلة لم تعد سطحية، بل تتجاوز التوقعات حرفيًّا، إذ تم اكتشاف ألياف بلاستيكية دقيقة على عمق يتجاوز ثلاثة أميال تحت سطح البحر، وفقًا لدراسة منفصلة حديثة، حتى المناطق البحرية المحمية البعيدة عن النشاط البشري لم تسلم من التلوث.
ومع ازدياد إنتاج البلاستيك عالميًا، لا تواكب قدرات إعادة التدوير الحالية هذا النمو، وتثبت التدابير التقليدية للحفاظ على البيئة عدم فعاليتها، لذلك، يوصي الخبراء بضرورة معالجة التلوث من منبعه، بدلًا من الاكتفاء بإزالة آثاره.
كارثة على جزيرة “لورد هاو” النائية
تُعد جزيرة “لورد هاو” واحدة من أجمل المناطق الطبيعية، بطبيعتها البركانية، وشواطئها البكر، وجبالها الخضراء، وحياتها البرية الزاخرة.
يبلغ عدد سكانها حوالي 300 نسمة، وتُفرض فيها قيود صارمة على السياحة، ما يجعل النشاط البشري محدودًا فيها.
لكن رغم ذلك، فإن البصمة البيئية للبشر على هذه الجزيرة واضحة، فقد وثّقت مجموعة بحثية دولية تُعرف باسم “مختبر أدريفت” الآثار الطويلة الأمد لتلوث البلاستيك على مستعمرات الطيور البحرية هناك.
وفي أحدث تقييم ميداني، سجل العلماء رقمًا قياسيًا مقلقًا: فرخ طائر نوء أسود، يبلغ من العمر نحو 80 يومًا فقط، احتوى على 778 قطعة بلاستيكية داخل جسده.
أي أن والديه قاما، دون قصد، بإطعامه ما يقرب من 10 قطع بلاستيكية يوميًا منذ فقسه.
بل إن عددًا من الطيور في أنحاء الجزيرة كان يحتوي على كميات من البلاستيك تجعل بطونها تصدر صوت “طقطقة” عند الضغط الخفيف عليها، وهو ما وثقته صحيفة واشنطن بوست عبر تسجيل صوتي.
آثار خفية ولكنها خطيرة
ركزت الدراسة، التي نُشرت في مارس، على تأثير تناول البلاستيك على البروتينات الحيوية في أجسام الطيور، وهي المسؤولة عن وظائف رئيسية في الكبد، والكلى، والجهاز العصبي.
أظهرت الفراخ التي تعرضت لمستويات مرتفعة من التلوث انخفاضًا في مستويات بروتين يُعرف بـ”عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ”، وهو ضروري لنمو وبقاء بعض الخلايا العصبية، مثل تلك التي تساعد الطيور على تمييز أصوات بعضها البعض.
ويقول الباحثون إن لهذا الانخفاض تأثيرًا مباشرًا على قدرة الطيور على المغازلة والتكاثر، مما يهدد بقاء الأنواع على المدى البعيد.
وكتب مؤلفو الدراسة في مقال نشر على موقع ذا كونفرزيشن: “تشير نتائجنا إلى أن التعرض للبلاستيك، حتى لو لم يكن قاتلًا في الحال، قد يتسبب في مشاكل صحية كبيرة، وانخفاض في القدرات الإدراكية، بما في ذلك التغريد اللازم لجذب الشريك، وهو ما يصعب على الطيور العثور على شركاء وإنجاب صغار”.
الخطر لا يقتصر على الطيور فقط
الآثار المباشرة لتلوث البلاستيك والحطام البحري باتت واضحة، تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف السلاحف البحرية في العالم ابتلعت البلاستيك في مرحلة من حياتها، مما قد يؤدي إلى تمزق الأعضاء أو انسداد معوي قاتل.
وتتعرض الحيتان أيضًا للاختناق أو الإصابة عند تشابكها في شباك الصيد المهملة.
لكن الدراسة الأخيرة تسلط الضوء على أخطر ما في البلاستيك: تأثيره “الصامت” والطويل الأمد على الوظائف الداخلية للجسم.
فالبلاستيك يحتوي على مواد كيميائية مضافة لأغراض مثل التلوين أو مقاومة الاشتعال، وهي مواد قادرة على إحداث اضطرابات هرمونية وأضرار بالأعضاء.
في الأسماك، على سبيل المثال، توجد أدلة متزايدة على أن البلاستيك والمواد الكيميائية المرتبطة به يمكن أن تؤدي إلى اختلال في مستويات الهرمونات، مما يُلحق ضررًا بالتكاثر والأعضاء التناسلية.
وهذه ليست مجرد مشكلة للحيوانات؛ فالبشر أيضًا في خطر، إذ وجد الباحثون جزيئات بلاستيكية دقيقة في 99% من عينات المأكولات البحرية التي اختبروها، سواء تلك المأخوذة من المتاجر أو التي تم صيدها في ولاية أوريغون الأمريكية، وفقًا لدراسة نُشرت في يناير الماضي.
انتشار عالمي… حتى في أعماق البحر
خلال العقود الأخيرة، اكتُشف وجود البلاستيك في أماكن نائية كجبال البرانس الفرنسية، وجزر غير مأهولة في المحيطات.
وتميل الحطام البلاستيكية إلى التجمع في دوامات مائية ضخمة، تشكل ما يُعرف بمناطق القمامة الكبرى مثل تلك الموجودة في المحيط الهادئ.
مؤخرًا، استخدم العلماء تقنيات متقدمة للوصول إلى أعماق لم تُستكشف من قبل، ووجدوا وفرة من الألياف البلاستيكية الدقيقة في قاع البحر، وفقًا لمجلة نيتشر.
وتشير تقديرات إلى أن هناك ما يصل إلى 11 مليون طن من البلاستيك على قاع المحيطات، أي أكثر بمئة مرة من الكمية الموجودة على السطح.
والمفاجئ أن الكائنات غير المهاجرة التي تعيش في الأعماق – والتي يُفترض أنها خاملة نسبيًا – تتعرض للبلاستيك بكميات كبيرة.
وقال ريان بوس، الباحث في جامعة هارفارد، في منشور من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية: “من المقلق للغاية أن نكتشف أن هذه الكائنات المعزولة نسبيًا ليست محصنة ضد التلوث”.
إلى أين نتجه؟
رغم جهود إنشاء “مناطق بحرية محمية” للحد من الأضرار، إلا أن تلوث البلاستيك لا يعترف بالحدود.
وقد ظهرت تقنيات حديثة لمحاولة تنظيف البحار، إلا أن بعضها يُهدد الحياة البحرية نفسها.
ويرى الخبراء أن الحل الجذري يبدأ من المصدر: خفض إنتاج البلاستيك. ومنذ أكثر من عامين، بدأت 175 دولة مفاوضات لوضع معاهدة عالمية ملزمة بشأن البلاستيك.
وكان من المقرر الانتهاء منها في ديسمبر الماضي، لكن الخلافات حول مدى إلزامها عطّلت ذلك.
ومع اقتراب جولة المفاوضات المقبلة في أغسطس، من المتوقع أن يُلقى نحو 140 ألف شاحنة محمّلة بالنفايات البلاستيكية في محيطات وبحيرات وأنهار العالم قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.
