صور الأقمار الصناعية تكشف سرًا خفيًا في المد والجزر.. طريقة جديدة ترسم تغيرات المياه بدقة

40 عامًا من صور الأقمار الصناعية تكشف خريطة جديدة للمد والجزر على سواحل العالم

كشفت دراسة علمية جديدة أن المد والجزر لا يرتفع وينخفض بالدرجة نفسها على طول الساحل، بل يمكن أن تختلف مستويات المياه بما يصل إلى متر واحد بين موقع وآخر، حتى لو كانت المسافة بينهما بضعة كيلومترات فقط.

وطوّر باحثون من جامعة الدنمارك التقنية (DTU)، بالتعاون مع علماء من جامعة أكسفورد والجامعة التقنية في ميونخ، وشركة تكنولوجيا الفضاء الألمانية OHB، طريقة جديدة تعتمد على صور الأقمار الصناعية لرصد مستويات المياه وتغيرات المد والجزر بدقة أكبر وعلى نطاق محلي.

واعتمد الباحثون على تحليل صور التقطها برنامج «لاندسات» الأمريكي على مدى أكثر من 40 عامًا، بهدف تتبع الحدود المتغيرة بين اليابسة والمياه على السواحل.

وتقدم الطريقة الجديدة حلًا مهمًا للمناطق التي تفتقر إلى محطات قياس منسوب المياه، خصوصًا المناطق النائية والسواحل شاسعة الامتداد.

المد والجزر يختلف من مكان إلى آخر

عندما يحدث المد أو الجزر، لا تتحرك المياه بالضرورة بالطريقة نفسها على امتداد الساحل كله.

ففي بعض الخلجان والمناطق الساحلية، يمكن أن يصل الفرق في ارتفاع المد والجزر إلى متر واحد بين موقعين تفصل بينهما بضعة كيلومترات فقط.

وهذا التفاوت المحلي قد يكون مهمًا للغاية عند دراسة مخاطر الفيضانات الساحلية أو عند إعداد خرائط دقيقة لمستويات المياه.

وعادةً ما يتم قياس المد والجزر باستخدام محطات مخصصة لقياس منسوب المياه في مواقع محددة، أو من خلال الأقمار الصناعية التي تقيس ارتفاع سطح البحر.

لكن المشكلة أن محطات القياس قد تكون متباعدة عشرات الكيلومترات، ما يترك مساحات واسعة من السواحل من دون قياسات مباشرة.

وقال البروفيسور أولي بالتازار أندرسن، الباحث في DTU Space وأحد المشاركين في الدراسة، إن محطات قياس منسوب المياه تكون عادة متباعدة بنحو 50 كيلومترًا أو أكثر، ثم يتم تقدير القيم في المناطق الواقعة بينها.

وأضاف أن الطريقة الجديدة تسمح بدلًا من ذلك باستخدام صور الأقمار الصناعية للساحل نفسه للحصول على صورة أكثر تفصيلًا لكيفية تغير مستويات المد والجزر جغرافيًا على طول الساحل.

ونُشرت الدراسة في دورية Communications Earth & Environment.

طريقة جديدة تعتمد على صور الأقمار الصناعية ترسم تغيرات المد والجزر

كيف تقيس الأقمار الصناعية المد والجزر؟

تعتمد الطريقة على فكرة بسيطة لكنها مبتكرة، فبدلًا من اعتبار التغيرات في الخط الساحلي مشكلة يجب التخلص منها من بيانات الأقمار الصناعية، استخدم الباحثون هذه التغيرات باعتبارها مصدرًا للمعلومات.

ومن خلال تحليل آلاف الصور الفضائية، تمكن العلماء من تتبع الحدود الفاصلة بين اليابسة والمياه في أوقات مختلفة.

وبدمج هذه البيانات مع معلومات عن انحدار الشاطئ، أصبح من الممكن حساب التغيرات في مستوى المياه، ومن ثم تحديد أنماط المد والجزر بصورة أكثر دقة.

وقال مايكل هارت-ديفيس، الباحث في المعهد الألماني للبحوث الجيوديسية (DGFI-TUM) والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن تغيرات الخط الساحلي كانت غالبًا تُعامل باعتبارها «ضوضاء» ينبغي إزالتها من بيانات الأقمار الصناعية.

لكن الدراسة أظهرت أن هذه التغيرات يمكن استخدامها بدلًا من ذلك باعتبارها «إشارة» تسمح برسم أنماط المد والجزر على نطاق محلي للغاية.

من «الضوضاء» إلى أداة علمية

تمثل هذه الفكرة تحولًا مهمًا في كيفية التعامل مع بيانات الأقمار الصناعية.

فالتغيرات في الحدود بين اليابسة والمياه، التي كانت تعتبر في بعض التحليلات مصدرًا للتشويش، يمكن أن تحمل معلومات دقيقة عن ارتفاع وانخفاض المياه.

ومع توافر صور تمتد لأكثر من أربعة عقود، أصبح لدى العلماء سجل طويل يسمح بمقارنة الظروف الساحلية عبر الزمن، فضلًا عن تحليل الاختلافات المكانية في المد والجزر.

ولا تقتصر أهمية ذلك على رسم خرائط أفضل للمد والجزر، إذ يمكن استخدام البيانات للتحقق من النماذج الحالية وتحسينها.

صور الأقمار الصناعية تكشف سرًا خفيًا في المد والجزر

تنبؤات محلية أكثر دقة

يرى الباحثون أن وفرة البيانات التي توفرها صور الأقمار الصناعية يمكن أن تساعد في تطوير نماذج أكثر دقة للمد والجزر، وبالتالي تحسين التنبؤ بمواعيد وارتفاعات المد والجزر في مناطق محلية.

وقد تكون هذه الإمكانية شديدة الأهمية في السواحل التي لا تتوفر فيها سوى أعداد محدودة من محطات قياس منسوب المياه.

وقال أندرسن إن أهمية الطريقة تختلف من منطقة إلى أخرى؛ ففي الدنمارك، توجد أعداد كبيرة من محطات قياس منسوب المياه، كما أن التغيرات في المد والجزر محدودة نسبيًا.

لكن الوضع مختلف تمامًا في جرينلاند، حيث لا توجد سوى حفنة من محطات القياس المادية، بينما يمكن أن يصل التغير اليومي في مستوى المد والجزر إلى 5 أو 6 أمتار.

ولهذا يمكن أن تكون البيانات الأكثر تفصيلًا على امتداد السواحل ذات أهمية كبيرة في هذه المناطق.

صور أقمار صناعية لساحل جرينلاند تُظهر تغير الحدود بين اليابسة والمياه، مع توضيح تأثير المد والجزر على مستوى سطح البحر.

أهمية خاصة للمناطق المهددة بالفيضانات

يمكن أن تكون النماذج المحلية الأكثر دقة للمد والجزر مفيدة أيضًا في المناطق الساحلية المنخفضة والمعرضة للخطر، ومنها بنجلاديش.

ففي هذه المناطق، يتفاعل المد والجزر مع عوامل أخرى، مثل الرياح والتيارات ومياه الأنهار، وقد يؤدي اجتماع هذه العوامل إلى زيادة مخاطر الفيضانات الساحلية المدمرة.

وكلما أصبحت مستويات المد والجزر أكثر وضوحًا على المستوى المحلي، زادت قدرة الباحثين والسلطات على فهم كيفية تفاعل المياه البحرية والنهرية مع الظروف الجوية والتضاريس الساحلية.

وهذا قد يدعم مستقبلًا تطوير أنظمة إنذار أكثر دقة للمناطق المعرضة للفيضانات.

الأقمار الصناعية تساعد في فهم ارتفاع مستوى البحر

لا تتوقف أهمية الطريقة الجديدة عند دراسة المد والجزر، إذ يمكن أن تصبح أيضًا أداة لدراسة ارتفاع مستوى سطح البحر والتغيرات التي تشهدها السواحل حول العالم.

فالمد والجزر يمثل أحد العوامل التي تحرك بصورة مستمرة الحدود بين اليابسة والمياه.

وإذا تمكن العلماء من تحديد حجم المد والجزر وتغيراته المحلية بصورة أكثر دقة، فسيصبح من الأسهل التمييز بين الحركة الطبيعية لخط الساحل الناتجة عن المد والجزر وبين التغيرات الأطول مدى التي تحدث نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر.

وهذه النقطة تكتسب أهمية متزايدة مع استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر المرتبط بتغير المناخ.

سجل فضائي يمتد لأكثر من 40 عامًا

تمثل قاعدة البيانات التي توفرها صور الأقمار الصناعية على مدى أكثر من أربعة عقود فرصة علمية فريدة.

فإلى جانب تحديد طبيعة المد والجزر الحالية، يمكن للباحثين مستقبلًا استخدام هذه البيانات لدراسة كيفية تغير أنماط المد والجزر بالتزامن مع ارتفاع مستوى سطح البحر وتغير الظروف المحلية للسواحل.

وقد تتغير طبيعة المد والجزر نفسها، من حيث مقدار الارتفاع والانخفاض وتوقيت حدوثهما، مع تغير مستوى سطح البحر والخصائص المحلية للساحل.

وبذلك، لا تقدم التقنية الجديدة وسيلة لرسم خرائط أكثر تفصيلًا للمد والجزر فحسب، بل تفتح أيضًا نافذة لدراسة العلاقة بين المد والجزر وارتفاع مستوى سطح البحر وتغير شكل السواحل بفعل تغير المناخ.

وفي عالم تتزايد فيه مخاطر الفيضانات الساحلية، يمكن أن تتحول هذه البيانات الفضائية الممتدة لعقود إلى أداة مهمة لتحسين فهم السواحل والتنبؤ بالمخاطر التي تواجه المدن والمجتمعات الساحلية.

Exit mobile version