ماذا لو كانت كائنات مجهرية متناهية الصغر قادرة على السفر عبر المحيطات والمدن وأجسام الحيوانات والبشر، حاملةً معها الجينات، ومشكّلةً الحياة على كوكب الأرض في صمت؟
دراسة علمية جديدة قادها باحثون من مجموعة بورك في مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي (EMBL) بمدينة هايدلبرج الألمانية، تكشف كيف يحدث هذا الانتقال بالفعل، وتوضح أن الميكروبات تشكل شبكة جينية خفية تربط مختلف النظم البيئية على الكوكب.
ونُشرت الدراسة في دورية Cell العلمية، وتُظهر نتائج الدراسة أن الميكروبات لا تتجمع وفق القرب الجغرافي، بل وفق ظروف البيئة التي تعيش فيها.
فالمحيطات الدافئة، وأمعاء الحيوانات، والتربة، ومياه الصرف الصحي، لكل منها بصمة ميكروبية مميزة، حتى وإن كانت متباعدة جغرافيًا عبر القارات.
الميكروبات تنظم نفسها حسب البيئة
تعيش الميكروبات في كل مكان تقريبًا على سطح الأرض. وكانت الأبحاث السابقة غالبًا ما تربط التشابه الميكروبي بالموقع الجغرافي.
لكن الأدلة الجديدة تكشف نمطًا مختلفًا، إذ يتبين أن الميكروبات التي تعيش في بيئات متشابهة تتشارك خصائص أكثر من تلك التي تعيش بالقرب من بعضها في بيئات مختلفة.
وقام الباحثون بتحليل 85,604 عينة ميتاجينومية جُمعت من مختلف أنحاء العالم، حيث احتوت كل عينة على المادة الوراثية لمجتمع ميكروبي كامل.
وباستخدام مقارنات دقيقة على مستوى الأنواع، حدد العلماء 40 نوعًا رئيسيًا من البيئات، شملت المحيطات، والتربة، وأمعاء الحيوانات، والجلد البشري، ومياه الصرف الصحي، والبيئات العمرانية، وكل منها شكّل تجمعًا ميكروبيًا واضح المعالم.
كيف تشكّل الظروف البيئية الميكروبات
أظهرت الدراسة أن عوامل مثل درجة الحرارة، ومستويات الأكسجين، والنظام الغذائي، ونمط حياة العائل، تؤثر في تكوين المجتمعات الميكروبية أكثر من الحدود الجغرافية أو السياسية.
فعلى سبيل المثال، بدت ميكروبات المحيطات القطبية متشابهة رغم المسافات الشاسعة التي تفصل بينها، بينما اختلفت ميكروبات أمعاء البشر باختلاف العمر ونمط الحياة، وليس البلد.
وقال دانيال بودليسني، الباحث في مختبر EMBL والمؤلف المشارك للدراسة: «بدلًا من افتراض العوامل البيئية المؤثرة في بنية الميكروبيوم، تركنا الميكروبات نفسها تخبرنا بما يربطها».
وأضاف: «قمنا بقياس مدى تشابه كل مجتمع ميكروبي مع غيره في قاعدة البيانات، وحددنا 40 مجموعة تضم مئات وآلاف العينات من دراسات مستقلة».
وباستخدام بيانات سياقية دقيقة من قاعدة بيانات Metalog، حدد الباحثون السمات المشتركة داخل كل مجموعة، مثل عمر العائل أو درجة حرارة المحيط.
نوعان من الميكروبات
تتصرف معظم الميكروبات بوصفها “متخصصين”، إذ لا تستطيع العيش إلا في ظروف محددة للغاية، فميكروبات الأمعاء، على سبيل المثال، تعتمد على بيئات منخفضة الأكسجين ومصادر غذاء مستقرة، بينما تعتمد ميكروبات التربة على مغذيات معقدة ورطوبة متغيرة.
في المقابل، توجد فئة أصغر تُعرف بالميكروبات “العمومية”، وهي قادرة على التكيف مع نطاق واسع من الظروف البيئية، من حيث الحرارة والأكسجين ومصادر الغذاء، ويمكن العثور عليها في أماكن متباينة، مثل مياه الصرف الصحي، والبحيرات، وأمعاء الحيوانات.
وتتمتع هذه الميكروبات بسمات خاصة، مثل جينومات أكبر، ونسبة مرتفعة من محتوى GC، وقدرات هوائية قوية، إضافة إلى مرونة أيضية تتيح لها استخدام مصادر طاقة متعددة، بما في ذلك الملوثات والمركبات النادرة.
نقل الجينات يربط النظم البيئية
مع انتقال الميكروبات العمومية بين البيئات، يحدث تبادل للجينات عبر ما يُعرف بالنقل الجيني الأفقي، حيث تنتقل الجينات مباشرة بين الكائنات الدقيقة بدلًا من انتقالها عبر الأجيال فقط.
ويخلق هذا التبادل روابط جينية بين نظم بيئية مختلفة. ويقول يوناس شيلر، الباحث المشارك في الدراسة: «حتى البيئات المتباينة جذريًا من حيث الخصائص الفيزيائية والكيميائية، ترتبط عبر الميكروبات العمومية».
وتحدث معظم عمليات نقل الجينات داخل البيئات المتشابهة، لكن الانتقال بين البيئات المختلفة يعتمد بشكل شبه كامل على الميكروبات العمومية، التي تعمل كجسور جينية بين العوالم البيئية.
البشر يسرّعون انتشار الجينات
تُسهم الأنشطة البشرية في فتح مسارات جديدة لانتقال الميكروبات، خاصة عبر أنظمة الصرف الصحي التي تجمع ميكروبات من المنازل والمستشفيات والمزارع والمصانع.
وتُعد البيئات العمرانية نقطة التقاء بين البيئات الطبيعية وتلك المرتبطة بالكائنات الحية، ما يوفر ظروفًا مثالية لازدهار الميكروبات العمومية.
وتحتوي محطات معالجة مياه الصرف الصحي على أعداد كبيرة من هذه الميكروبات، ما يعزز تبادل الجينات بين ميكروبات الأمعاء والميكروبات البيئية، في ظل ضغط إضافي ناتج عن استخدام المضادات الحيوية.
وحدد الباحثون مجموعة جينات مقاومة مشتركة بين بكتيريا الأمعاء ونوع عمومي يُعرف باسم Aeromonas caviae، حيث ظهرت هذه الجينات أولًا في مياه الصرف، ثم في الأنهار والبحيرات والمصبات المتأثرة بالنشاط البشري.
مقاومة المضادات تنتشر عالميًا
تمثل مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية أحد أخطر التحديات الصحية عالميًا، إذ تتسبب العدوى المقاومة في ملايين الوفيات سنويًا. وتدرج منظمة الصحة العالمية هذه الظاهرة ضمن أخطر التهديدات للصحة العالمية.
وغالبًا ما تحمل الميكروبات العمومية جينات مقاومة نتيجة تعرضها المستمر للمضادات الحيوية والمطهرات، ومع انتقالها بين البيئات، تنتشر هذه الجينات إلى البشر والحيوانات والنظم البيئية الطبيعية.
صحة واحدة مترابطة
وقال تشان يونج كيم، الباحث في مجموعة بورك: «تُظهر نتائجنا أن هذه الميكروبات تلعب دورًا محوريًا في ربط صحة الإنسان والحيوان والبيئة، وهو ما يعرف بمفهوم الصحة الواحدة (One Health)».
ويؤكد هذا المفهوم أن صحة البشر لا يمكن فصلها عن صحة الحيوانات والبيئة، وهو نهج تتبناه اليوم منظمات دولية عدة، منها منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
الميكروبات تربط الكوكب
تشكل الحياة الميكروبية شبكة خفية تربط التربة والمياه والحيوانات والمدن والبشر. وتعمل الميكروبات العمومية على نقل الجينات عبر هذه الشبكة، مؤثرة في البقاء والأمراض والمقاومة الدوائية.
وفهم حركة الميكروبات يساعد العلماء على حماية الصحة على نطاق كوكبي، إذ تؤثر الخيارات البشرية في مساراتها وانتشارها، وقد تسهم أنظمة صرف صحي أنظف، واستخدام مسؤول للمضادات الحيوية، وحماية البيئة، في الحد من انتشار الجينات الضارة.
ورغم صغر حجمها، فإن التأثير الجماعي لهذه الكائنات الدقيقة يمتد إلى كل ركن من أركان الأرض.
