استغلال شبكات محطات الكهرباء الحالية قد يفتح الباب أمام طفرة في الطاقة المتجددة

توصيلات الكهرباء غير المستغلة قد توفر 51 مليار دولار وتسرّع التوسع في الطاقة النظيفة

قد تتمكن الولايات المتحدة من إضافة مئات الجيجاوات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الكهرباء بحلول عام 2030، من خلال استغلال توصيلات الشبكة الموجودة بالفعل لدى محطات الكهرباء، بدلًا من انتظار إنشاء توصيلات جديدة قد تستغرق سنوات.

وتوصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة كاليفورنيا ببيركلي إلى أن محطات الكهرباء العاملة بالوقود الأحفوري وحدها قد تتيح استيعاب نحو 597 جيجاوات من قدرات الطاقة النظيفة الجديدة بحلول عام 2030، باستخدام البنية التحتية الحالية للربط بالشبكة، وفقًا للسيناريوهات الاقتصادية والفنية التي تناولها التحليل.

واعتمد الباحثون على صور الأقمار الصناعية لفحص الأراضي المحيطة بنحو 3890 محطة كهرباء قائمة، وتقييم المساحات التي يمكن استخدامها لتركيب ألواح شمسية وتوربينات رياح وبطاريات، مع تمرير الكهرباء عبر نقاط الربط القائمة بدلًا من إنشاء توصيلات مستقلة جديدة.

لكن الرقم يمثل حدًا أقصى تقديريًا للإمكانات، وليس توقعًا مؤكدًا لما سيُنفذ فعليًا. إذ يفترض إمكانية مشاركة المحطات الجديدة في استخدام سعة الربط غير المستغلة، ولا يأخذ في الحسبان جميع القيود التعاقدية والتشغيلية التي قد تحد من الاستفادة من هذه الإمكانات.

توصيلات قائمة لا تُستغل بكامل طاقتها

تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة لتوسيع إمدادات الكهرباء، مع توقع ارتفاع ذروة الطلب بنحو 15% إلى 25% بحلول عام 2030، مدفوعًا بالتوسع في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وعودة بعض الأنشطة الصناعية، وزيادة الاعتماد على الكهرباء في قطاعات مختلفة.

وفي الوقت نفسه، قد يستغرق وصول توربين غازي جديد من أربع إلى ست سنوات، بينما قد يحتاج توفير محول كهربائي كبير إلى عامين حتى أربعة أعوام. كما أن مشروعات توليد الكهرباء الجديدة تواجه فترات انتظار طويلة للاتصال بالشبكة، قد يصل وسيطها إلى خمس أو ست سنوات.

في المقابل، تمتلك محطات الكهرباء القائمة بالفعل نقاط ربط وخطوطًا لنقل الكهرباء، لكنها لا تستخدم هذه البنية التحتية طوال الوقت بكامل قدرتها.

فمحطات الغاز المستخدمة لتغطية ذروة الطلب قد تعمل خلال نسبة محدودة من ساعات العام، بينما تستخدم المزرعة الشمسية المتوسطة نحو ربع سعة اتصالها بالشبكة، وفقًا للمادة التي عرضت الدراسة.

وتقوم الفكرة على استغلال هذه السعة غير المستخدمة لإضافة مصادر جديدة للطاقة النظيفة إلى المواقع نفسها، بحيث يمكن للطاقة الشمسية والرياح والبطاريات مشاركة نقطة الربط القائمة، من دون تجاوز القدرة الأصلية التي صُممت الوصلة لاستيعابها.

وتسمح القواعد الفيدرالية الأمريكية بمشاركة المولدات الجديدة في سعة الربط غير المستغلة، وهي ممارسة تُعرف باسم «الربط الفائض» (Surplus Interconnection)، لكن تطبيقها لا يزال متفاوتًا بين مشغلي الشبكات.

تتحول محطات الكهرباء القائمة إلى منصة للطاقة النظيفة

فحص آلاف المواقع باستخدام صور الأقمار الصناعية

قاد أوميد باليوال من كلية جولدمان للسياسات العامة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي التحليل، بالتعاون مع إميليا تشوجكيفيتش ودنكان كالواي من مجموعة الطاقة والموارد، وأمول فادكي.

وشمل الفحص 1403 محطات تعمل بالوقود الأحفوري و2487 مزرعة للطاقة الشمسية والرياح. ورسم الباحثون حول كل موقع مربعًا مساحته نحو 400 كيلومتر مربع، ثم قسموا الأراضي داخله إلى قطع صغيرة تبلغ مساحة الواحدة منها نحو 900 متر مربع.

وخضعت كل قطعة لتقييم استنادًا إلى أكثر من 50 معيارًا يستخدمها المطورون عند اختيار مواقع المشروعات، بما يشمل انحدار الأرض، والغطاء الأرضي، والقيود المرتبطة بالمناطق المحمية، وغيرها من الاشتراطات.

وأظهرت النتائج أن نحو 90% من محطات الوقود الأحفوري و76% من مواقع الطاقة المتجددة التي شملها التحليل لديها مساحات يمكن أن تستوعب قدرات إضافية تتجاوز خمسة أضعاف سعة الربط الحالية.

لكن وجود مساحة مناسبة لا يعني بالضرورة أن المشروع قابل للتنفيذ اقتصاديًا؛ لذلك قارن الباحثون أيضًا تكلفة تشغيل محطات الوقود الأحفوري، وخصوصًا تكلفة الوقود، بالتكلفة المتوقعة لإنشاء مشروعات جديدة للطاقة الشمسية أو الرياح بجوارها.

الطاقة الشمسية والرياح تتفوقان اقتصاديًا في مواقع عديدة

أظهر التحليل أن الطاقة الشمسية كانت أقل تكلفة من تشغيل 60% من وحدات التوليد الأحفوري البالغ عددها 4643 وحدة في الولايات المتحدة خلال عام 2024، وفق افتراضات الدراسة. كما كانت طاقة الرياح أقل تكلفة في 53% من هذه الوحدات.

وبناءً على المقارنة الاقتصادية والقيود المتعلقة بسعة الربط، قدّرت الدراسة أن القدرات الإضافية المجدية اقتصاديًا عند مواقع محطات الوقود الأحفوري يمكن أن تبلغ 412 جيجاوات في عام 2024، وترتفع إلى 507 جيجاوات بحلول 2027، ثم إلى 597 جيجاوات في عام 2030 مع تراجع تكاليف الطاقة المتجددة.

ولا تعني هذه القدرات أن الكهرباء ستُنتج كلها في وقت واحد؛ فالإنتاج الشمسي يتغير مع ساعات النهار والظروف الجوية، كما تتأثر طاقة الرياح بسرعة الرياح وتوافرها. لذلك تختلف القدرة الاسمية المركبة عن مقدار الكهرباء المتاح فعليًا لتلبية ذروة الطلب.

وتقع أكثر من 200 جيجاوات من الإمكانات المقدرة في منطقتي «بي جيه إم» (PJM) و«إم آي إس أو» (MISO)، اللتين تغطيان أجزاء من منطقة وسط الأطلسي والغرب الأوسط الأمريكي.

وتعتمد الحسابات الأساسية على افتراض عدم وجود إعفاءات ضريبية اتحادية. أما عند احتساب هذه الحوافز، التي تفترض الدراسة انتهاءها في عام 2026، فترتفع الإمكانات المقدرة إلى 977 جيجاوات.

وتتأثر النتائج أيضًا بأسعار الغاز الطبيعي؛ ففي سيناريو ارتفاع أسعار الغاز، تتجاوز الإمكانات المقدرة لعام 2030 مستوى 800 جيجاوات، بينما تنخفض إلى نحو 250 جيجاوات في سيناريو الأسعار المنخفضة.

أما السيناريو الذي يقتصر على الطاقة الشمسية، فينتج عنه نحو 404 جيجاوات، في ظل تراجع مشروعات الرياح الجديدة.

تتحول محطات الكهرباء القائمة إلى منصة للطاقة النظيفة

البطاريات تعزز قدرة مزارع الرياح والطاقة الشمسية

تختلف المعادلة في مواقع محطات الطاقة المتجددة القائمة، لأن المقارنة لا تتعلق بتكلفة الوقود، بل بكيفية توفير الكهرباء عند الحاجة، بما في ذلك خلال ساعات ذروة الطلب.

وتناولت الدراسة إضافة بطاريات قادرة على تفريغ الكهرباء لمدة ست ساعات إلى مزارع الطاقة الشمسية والرياح القائمة، ويمكن لهذه البطاريات تخزين الكهرباء المنتجة في أوقات الوفرة ثم إطلاقها عند الحاجة، ما يعزز قدرة المواقع على توفير إمدادات أكثر قابلية للتوقع.

وفي منطقة «بي جيه إم»، يمنح مخططو الشبكة بطارية ذات مدة تفريغ ست ساعات قيمة تعادل 58% من قدرتها الاسمية عند تقييم مساهمتها في موثوقية الإمدادات، مقارنة بنحو 60% للتوربين الغازي، وفقًا للأرقام الواردة في الدراسة.

وعند إضافة بطاريات تتناسب سعتها مع قدرة كل محطة متجددة قائمة، قد تتمكن هذه المواقع من استيعاب 324 جيجاوات من الطاقة الشمسية الجديدة و128 جيجاوات من طاقة الرياح.

وتعادل القدرة المضمونة الناتجة عن هذه الإضافات نحو 260 جيجاوات، وفق تقييم الدراسة. ويُقصد بالقدرة المضمونة هنا مقدار الطاقة الذي يمكن الاعتماد عليه لتلبية الطلب، خصوصًا خلال ذروة المساء، وليس مجرد القدرة الاسمية للألواح أو التوربينات.

غير أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب نحو 1530 جيجاوات ساعة من سعة البطاريات، أي ما يعادل نحو 50 ضعف سعة البطاريات المقترنة بمشروعات الطاقة المتجددة حاليًا، وفق تقديرات الدراسة، ويشير الباحثون إلى أن قدرة سلاسل توريد البطاريات على تلبية هذا الطلب قد تمثل أحد القيود الرئيسية.

ويمكن أن تضيف هذه الطريقة أكثر من 60 جيجاوات إلى شبكة تكساس «إيركوت» (ERCOT)، ونحو 44 جيجاوات إلى منطقة «إم آي إس أو». وفي تكساس والسهول والغرب الأوسط، تتجاوز الإمكانات المقدرة نمو ذروة الطلب المتوقع حتى عام 2030 في كل من هذه المناطق.

كما يمكن أن يرتفع معدل استخدام نقطة الربط في المزرعة الشمسية النموذجية من نحو 30% إلى 71% عند إضافة قدرات جديدة وفق السيناريو الذي تناوله الباحثون.

توفير مليارات الدولارات.. لكن التنفيذ ليس مضمونًا

لا يقتصر العائد المحتمل من استغلال نقاط الربط القائمة على تقليل فترات الانتظار، بل قد يشمل تجنب جزء كبير من تكاليف توصيل المشروعات الجديدة بالشبكة.

وبلغ متوسط تكاليف الربط للمشروعات التي اكتمل تنفيذها بين عامي 2019 و2023 نحو 81 دولارًا لكل كيلووات، ووصلت إلى 250 دولارًا في بعض المناطق، وفقًا للدراسة.

ويقدّر الباحثون، أن مشاركة نقاط الربط القائمة قد تتجنب تكاليف تصل إلى 51 مليار دولار في مواقع محطات الوقود الأحفوري، ونحو 109 مليارات دولار في مواقع مشروعات الطاقة المتجددة.

لكن تحقيق هذه الوفورات يتطلب معالجة عقبات تنظيمية وفنية. فعلى الرغم من أن الأمر رقم 845 الصادر عن لجنة تنظيم الطاقة الفيدرالية الأمريكية أتاح إمكان مشاركة نقاط الربط، فإن مشغلي الشبكات يتعاملون مع هذه الممارسة بطرق مختلفة.

وقد تُعامل البطارية التي تشارك مزرعة رياح نقطة الربط باعتبارها مصدرًا للطاقة فقط، من دون احتساب كامل مساهمتها في تلبية ذروة الطلب أو تعزيز موثوقية الشبكة، لذلك يدعو الباحثون إلى وضع قواعد موحدة لمشاركة سعة الربط، وتحديد جداول زمنية ثابتة لدراسة المشروعات، وإيجاد آلية تسمح بنقل حقوق الربط إلى مشروعات أخرى عندما تتوقف المحطة الأصلية عن العمل.

شبكات محطات الكهرباء

ما الذي لا تحسبه الدراسة؟

رغم الإمكانات الكبيرة التي تعرضها النتائج، فإن رقم 597 جيجاوات لا يمثل تقديرًا نهائيًا للقدرات التي يمكن تركيبها وتشغيلها فعليًا.

فالحسابات لا تشمل جميع عقود السعة والقيود المتعلقة بسرعة زيادة الإنتاج أو خفضه في محطات الوقود الأحفوري، وهو ما قد يؤدي إلى المبالغة في الإمكانات المتاحة في بعض المواقع.

كما أن تكلفة الوقود، وهي عنصر أساسي في المقارنة الاقتصادية، تعتمد على بيانات تجارية سرية، ولذلك استند التحليل إلى تقديرات بدلًا من بيانات كاملة لكل محطة.

ولا تحاكي الدراسة بالتفصيل الاختناقات المحتملة في شبكات نقل الكهرباء، التي قد تمنع وصول الطاقة الإضافية من نقطة الربط إلى المناطق التي تحتاج إليها. كذلك لم تحسب مقدار الانبعاثات التي يمكن تجنبها نتيجة إضافة هذه القدرات النظيفة.

ويقترح الباحثون أن تتمثل الخطوة التالية في إجراء نمذجة لتدفقات الكهرباء على شبكات حقيقية، لتحديد مقدار الطاقة الإضافية التي يمكن للشبكة استيعابها فعليًا، ومدى قدرة خطوط النقل على توصيلها إلى المستهلكين.

ونُشرت الدراسة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، وتطرح نتائجها مسارًا محتملًا لتسريع التوسع في الطاقة النظيفة بالاستفادة من البنية التحتية القائمة، لكن تحويل الإمكانات النظرية إلى مشروعات فعلية سيظل مرتبطًا بالجدوى الاقتصادية، وتوافر البطاريات، والقيود التشغيلية، والإصلاحات التنظيمية، وقدرة الشبكات على استيعاب الكهرباء ونقلها.

↑
Exit mobile version