قد يبدو أن زيادة أعداد الأشجار في الأراضي الجافة لا يمكن إلا أن تكون مفيدة للبيئة، لكن دراسة رياضية جديدة تكشف أن المزيد من الأشجار لا يعني بالضرورة مزيدًا من الأعشاب، وأن العلاقة بين الأشجار والنباتات التي تنمو تحتها يمكن أن تنقلب من التعاون إلى المنافسة مع تغير معدلات هطول الأمطار.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في المناطق الجافة، التي تغطي نحو 40% من مساحة اليابسة على كوكب الأرض، حيث تمثل الأعشاب عنصرًا أساسيًا في توفير المراعي ودعم التنوع البيولوجي، كما تؤثر التغيرات في الغطاء الشجري مباشرة في قدرة هذه النظم البيئية على الحفاظ على النباتات منخفضة النمو.
وأظهرت الدراسة أن الأشجار يمكن أن تساعد الأعشاب في الظروف شديدة الجفاف، لأنها تقلل فقدان المياه من التربة والنباتات، لكن هذه الفائدة تتراجع مع زيادة الأمطار، بينما تصبح المنافسة على الضوء والمياه أكثر أهمية.
ونُشرت الدراسة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS).
عندما يصبح ظل الأشجار مفيدًا
تؤثر الأشجار في النباتات المحيطة بها بطرق متعارضة في الوقت نفسه، فأوراق الأشجار تحجب جزءًا من ضوء الشمس، وهو ما يمكن أن يحد من قدرة الأعشاب على إجراء عملية البناء الضوئي وإنتاج الكتلة الحيوية.
لكن الظل يؤدي في المقابل إلى تقليل فقدان المياه من التربة والنباتات، وهو تأثير قد يكون بالغ الأهمية عندما تكون المياه هي العامل الأكثر تقييدًا لنمو النباتات.
وهنا تظهر المفارقة؛ فالعشب يحصل على ضوء أقل، لكنه قد يحتفظ بكمية أكبر من المياه التي يحتاجها للنمو.
ولفهم كيفية تغير هذا التوازن مع اختلاف كمية الأمطار وكثافة الأشجار، طور أوديد هولاندر والدكتور يائير ماو والدكتور نيف دي مالاخ من الجامعة العبرية في القدس نموذجًا رياضيًا يحاكي نمو النباتات العشبية ورطوبة التربة.
ولم يحاول الباحثون محاكاة نظام بيئي بعينه، وإنما أنشأوا نموذجًا مبسطًا يمكن من خلاله تغيير معدلات هطول الأمطار وكثافة الأشجار، ثم قياس تأثير الظل وفقدان المياه ونشاط الجذور في النباتات التي تنمو أسفل الأشجار.
في الجفاف.. الأشجار قد تساعد الأعشاب
كشف النموذج أن الظل المعتدل يمكن أن يكون مفيدًا للأعشاب في الظروف الجافة، فعلى الرغم من انخفاض كمية الضوء التي تصل إلى النباتات، فإن انخفاض فقدان المياه من التربة يمكن أن يعوض هذا النقص، خصوصًا عندما تكون المياه هي العامل الأساسي الذي يحد من نمو النباتات.
لكن هذه الفائدة لا تستمر مع زيادة كثافة الأشجار، فعندما يصبح الغطاء الشجري كثيفًا للغاية، يحجب كمية كبيرة من الضوء، ويتحول الظل من عامل يساعد النباتات على الاحتفاظ بالمياه إلى عامل يحد من قدرتها على النمو.
كما يتغير هذا التوازن مع هطول مزيد من الأمطار؛ فكلما أصبحت البيئة أكثر رطوبة، تراجعت أهمية الحفاظ على المياه، بينما استمر تأثير نقص الضوء.
وفي مرحلة معينة، يصبح فقدان الضوء أكثر ضررًا من الفائدة الناتجة عن تقليل فقدان المياه.
جذور الأشجار قد تتحول من المساعدة إلى المنافسة
لم تكن عملية الظل هي الآلية الوحيدة التي تتغير مع الظروف البيئية، إذ أظهر النموذج تحولًا مشابهًا في تأثير جذور الأشجار.
فعندما تكون الطبقات العليا من التربة شديدة الجفاف، يمكن لبعض الأشجار نقل المياه من طبقات التربة العميقة إلى الأعلى، وهي ظاهرة تعرف باسم الرفع الهيدروليكي للمياه (Hydraulic Lift).
وقد تتيح هذه المياه الإضافية للنباتات العشبية القريبة فرصة أفضل للبقاء خلال فترات الجفاف.
لكن عندما تصبح الطبقات العليا من التربة أكثر رطوبة، تقل الحاجة إلى هذا النقل من الأعماق، وتبدأ جذور الأشجار في استخدام المياه الموجودة في الطبقات نفسها التي تعتمد عليها الأعشاب.
وهنا يمكن أن تتحول العلاقة تدريجيًا من توفير مورد إضافي للأعشاب إلى منافسة مباشرة على المياه.
ومع ذلك، يحذر الباحثون من اعتبار الرفع الهيدروليكي فائدة مؤكدة للأعشاب في جميع الظروف، إذ أظهرت دراسات ميدانية سابقة أن الأشجار قد تستخدم جزءًا كبيرًا من المياه التي تنقلها بنفسها.
زيادة الأمطار وحدها لا تكفي لتغيير العلاقة
ومن أبرز نتائج الدراسة أن زيادة الأمطار وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى التحول المتوقع في العلاقة بين الأشجار والأعشاب.
فإذا ظلت المياه هي العامل الوحيد الذي يحد من نمو النباتات، فإن زيادة الأمطار ستسمح بمزيد من نمو الأعشاب، لكن زيادة الكتلة النباتية ستؤدي بدورها إلى استهلاك كمية أكبر من المياه.
وبالتالي، لا يعني هطول مزيد من الأمطار بالضرورة استمرار ارتفاع رطوبة التربة.
وأظهر النموذج تحولًا أوضح عندما أصبح هناك عامل آخر يحد من نمو الأعشاب في الظروف الأكثر رطوبة.
وقد يكون هذا العامل نقص العناصر الغذائية، أو تزاحم النباتات، أو الأمراض، أو مسببات أخرى تحد من استمرار نمو النباتات حتى مع توفر المزيد من المياه.
وعندما يصل نمو الأعشاب إلى هذا الحد، تصبح المياه الإضافية الناتجة عن الأمطار متاحة في التربة بدلًا من استخدامها بالكامل في زيادة الكتلة النباتية.
عندها تتراجع قيمة الظل في توفير المياه، بينما يظل نقص الضوء الناتج عن الأشجار عاملًا يحد من نمو الأعشاب.
كثافة الأشجار عامل حاسم
لا تتحدد العلاقة بين الأشجار والأعشاب بكمية الأمطار وحدها، إذ تلعب كثافة الغطاء الشجري دورًا رئيسيًا أيضًا.
ففي المناطق التي تعاني من قلة الأمطار، يمكن لكثافة معتدلة من الأشجار أن تساعد الأعشاب من خلال تقليل فقدان المياه.
لكن زيادة كثافة الأشجار بصورة كبيرة قد تؤدي إلى حجب كمية أكبر من الضوء، وبالتالي تراجع نمو النباتات العشبية حتى في البيئات التي تعاني من الجفاف.
وأظهر النموذج أيضًا أن زيادة كثافة الأشجار بالتزامن مع ارتفاع معدلات هطول الأمطار يمكن أن تزيد من التأثير السلبي للظل في المناطق الأكثر رطوبة.
وهذا يساعد في تفسير سبب اختلاف نتائج الدراسات الميدانية من منطقة إلى أخرى؛ فبيئتان تتلقيان كمية متشابهة من الأمطار قد لا تستجيبان بالطريقة نفسها إذا اختلفت كثافة الأشجار بينهما.
تأثير الظل يختلف عن تأثير الجذور
كشفت الدراسة كذلك عن اختلاف واضح بين تأثير الظل وتأثير الجذور، فعندما ركز الباحثون على الكتلة الحيوية الفعلية للنباتات، ظهر التأثير الإيجابي الأقوى للظل عند مستويات متوسطة من هطول الأمطار.
في الظروف شديدة الجفاف، لا تتوافر مياه كافية أصلًا بحيث يستطيع تقليل فقدانها أن يحقق فائدة كبيرة، بينما تصبح خسارة الضوء أكثر أهمية مع زيادة الرطوبة.
أما تأثير الجذور، فكان أكثر تدريجية؛ إذ تراجع تأثيرها الإيجابي مع زيادة توفر المياه، ثم تحول في النهاية إلى تأثير سلبي عندما أصبحت الأشجار والأعشاب تتنافس على المياه الموجودة في التربة.
ويرى الباحثون أن اختلاف هذه الآليات قد يساعد في تفسير النتائج المتباينة التي ظهرت في الدراسات الميدانية السابقة بشأن تأثير الأشجار في النباتات التي تنمو تحتها.
الأشجار لا تساعد دائمًا في الجفاف وتضر دائمًا في الرطوبة
وتشير نتائج الدراسة إلى أن العلاقة ليست قاعدة بسيطة من نوع: الأشجار مفيدة عندما يكون المناخ جافًا وضارة عندما يصبح رطبًا.
فالتأثير يعتمد على مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها كمية الظل، وفقدان المياه، وسلوك جذور الأشجار، وكثافة الغطاء الشجري، والعوامل الأخرى التي تحد من نمو النباتات.
وبذلك يمكن أن تتحول الأشجار من عنصر يساعد النباتات العشبية على تحمل الجفاف إلى منافس لها، ليس فقط بسبب المياه، ولكن أيضًا بسبب الضوء.
ماذا تعني النتائج لاستعادة الأراضي الجافة؟
تحمل هذه النتائج أهمية خاصة مع تغير الغطاء النباتي في العديد من المناطق الجافة حول العالم.
فبعض المناطق تشهد توسعًا في الشجيرات والأشجار، بينما تفقد مناطق أخرى الأشجار نتيجة الجفاف وحرائق الغابات.
وأي تغير في الغطاء الشجري يمكن أن يغير كمية الضوء والمياه المتاحة للأعشاب والنباتات الأخرى الموجودة أسفل الأشجار.
ولهذا، فإن زراعة المزيد من الأشجار لا تضمن تلقائيًا تحسن الغطاء النباتي الأرضي، خصوصًا في مشاريع استعادة الأراضي التي تستهدف في الوقت نفسه زيادة الأشجار والحفاظ على المراعي والتنوع البيولوجي.
كما قد تمتد الفكرة إلى تطبيقات أخرى؛ فالنموذج يعتمد جزئيًا على تأثير تقليل الضوء، ما يعني أن ظهور مناطق مظللة جديدة نتيجة تركيب الألواح الشمسية، على سبيل المثال، يمكن أن يغير أيضًا التوازن بين الضوء والمياه في النظم البيئية الجافة.
وهذا يجعل فهم العلاقة بين الظل والمياه مهمًا عند التخطيط لمشروعات الطاقة الشمسية واستعادة الأراضي وإدارة المراعي.
نموذج رياضي وليس وصفة واحدة لكل البيئات
ولا يقدم النموذج رقمًا عالميًا محددًا لمعدل هطول الأمطار الذي تتحول عنده الأشجار من عامل مساعد إلى عامل منافس.
فالهدف من الدراسة هو تحديد الآليات العامة التي تتحكم في هذه العلاقة، وليس وضع عتبة مطرية واحدة يمكن تطبيقها على جميع النظم البيئية.
كما أن النموذج يتعامل مع النباتات العشبية باعتبارها مجموعة واحدة، ولا يحاكي بصورة كاملة تأثير العواصف غير المنتظمة، والرعي، واختلاف خصائص التربة، أو الفروق بين الأنواع النباتية.
ولهذا، تظل القياسات والتجارب الميدانية ضرورية لاختبار مدى انطباق النتائج على بيئات بعينها.
وتقدم الدراسة في النهاية صورة أكثر تعقيدًا للعلاقة بين الأشجار والأعشاب: زيادة الأشجار ليست مرادفًا تلقائيًا لزيادة الغطاء العشبي، كما أن تأثير الأشجار لا تحدده الأمطار وحدها، بل يتشكل من التفاعل بين المياه والضوء والجذور وكثافة الأشجار والعوامل التي تحد من نمو النباتات.
