خابت كل التوقعات بتعافي اقتصاد منطقة الشرق الأوسط إثر التداعيات السلبية لانتشار فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا.
ولم تلبث دول المنطقة من التقاط أنفاسها إلا وتصاعد العنف والتوترات الاجتماعية، وتصاعدت وتيرة الحرب فى غزة، مما أدي إلى زيادة حدوث الأزمات المالية، وارتفاع معدلات التضخم ونقص الدولار وتشديد السياسات المالية والنقدية والضغوط المصرفية، مع ارتفاع مستويات البطالة في كثير من دول المنطقة، وخاصة بين الشباب، بما في ذلك الفجوات الكبيرة بين الجنسين في العمل والتعليم، وانخفاض عوائد التعليم، ومحدودية التنوع الاقتصادي، والتدخل المفرط للدولة في النشاط الاقتصادي، والصراعات المسلحة الطويلة.
وكأننا على موعد من الحبكة الدرامية لأفلام هوليود لتتدخل السياسات الأمريكية المتشددة لتزيد من عناء دول المنطقة بسياستها غير العادلة على وجه العموم، وتبني العقوبات الغربية ضد روسيا، وزيادة الديون مع تراجع الاحتياطي الفيدرالي وتكرار رفع سعر الفائدة؛ ناهيك عن الأحداث الجوية المعاكسة الناجمة عن تغير المناخ.
وقد أفاد تقرير البنك الدولى لعام 2022م بأن تغير المناخ يمثل جانبا سلبيا كبيرا وخطرا داهما على المنطقة على وجه الخصوص، مما يؤدي إلى تعميق التفاوتات في التنمية البشرية لأن أفراد المجتمع المهمشين والفقراء هم في كثير من الأحيان الأكثر تضررا من الأحداث الجوية السيئة ولهم موارد قليلة للتعامل معها.
وبذلك يشكل تأمين الغذاء الكافي وسلاسل الإمدادات أيضا تحديا متزايدا للمنطقة مع احتمال تزايد تغير المناخ وشدة الجفاف وغيرها من الكوارث المرتبطة بتغير المناخ.
في مصر الدولة الأكثر سكانا في المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على نهر النيل، يمكن أن تؤدي ارتفاع درجات الحرارة وزيادة شدة وتكرار ومدة موجات الحر إلى الجفاف الشديد والفيضانات، وتقويض توافر المياه.
وبحسب الدراسات، فإن تكاليف تغير المناخ في مصر يمكن أن يصل إلى 2-6 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2060م.
وفي العراق، قد يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تقويض توافر المياه والمحاصيل والعائدات، مما أدى إلى انخفاض بنسبة 3.9 % في الناتج المحلي الإجمالي.
وفى المغرب، حالت الظروف المناخية المعاكسة من إظهار النمو حيث الجفاف الذي ضرب البلاد لسنوات عدة من جهة، والزلازل من جهة أخري حيث ضربت أجزاء من شمال البلاد وغربها في فبراير الماضي، وتشير التقديرات إلى خسائر وأضرار بقيمة 5.2 مليار دولار.
وبصفة عامة فإنه قد تباطأ النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 2.2 % في عام 2023م، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 3.3% في عام 2024م، ومع ذلك يظل أقل بكثير من وتيرته قبل عقدين من الوباء.
ومما لاشك فيه أن التضخم قد استنزف القوة الشرائية للأسر ورفع تكاليف مدخلات الواردات الإنتاجية، مع تراجع سلاسل الإمداد العالمي للغذاء والطاقة.
وقد أدي ذلك إلى زيادة العجز فى الحسابات الجارية، وانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي.
وبينما استفادت الدول المصدرة للنفط (دول الخليج والجزائر وليبيا) من عائداتها نظرا لإرتفاع الأسعار، فإن الدول المستوردة للنفط تواجه عجزا واسع النطاق ناجما جزئيا عن فواتير خدمة الديون الكبيرة في عام 2023م.
وانخفضت قيمة العملات المحلية مقابل الدولار الأمريكي منذ منتصف عام 2022م فى العديد من دول المنطقة على رأسها مصر وتركيا.
وقد فند تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي، الصادر عن صندوق النقد الدولي، مجموعة من الصدمات المتزامنة التي تعرضت لها دول المنطقة من جراء استمرار تدهور الأوضاع العالمية، وأبرز تلك الصدمات: تباطؤ الاقتصاد العالمى، ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتقلبات الأسواق، أزمة تكلفة المعيشة، وتشديد الأوضاع المالية بأسرع وأقوى من المتوقع، مع ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القوي الشرائية لعملات عدد من بلدان الشرق الأوسط بوتيرة غير مسبوقة.
وتستمر معاناة العديد من اقتصادات المنطقة وهشاشتها كنتيجة حتمية للصراعات المسلحة والأزمات المالية السياسية المفتعلة فى معظم الأحيان، مع ارتفاع معدلات التضخم وعدم اليقين بشأن السياسات وتقويض النمو، مع انكماش الإنتاج في لبنان وإيران واليمن وسوريا.
وتباينت ردود الأفعال بشأن تداعيات الحرب في فلسطين على الاقتصاد العالمي، وسط لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة كالذهب، فيما يرى البعض أنه من المبكر تقييم آثارها، يرى آخرون تأثيرها المباشر على أداء الكثير من الأسهم والسلع.
وقد قال كيري كريغ الاستراتيجي فى الأسواق العالمية في “جي بي مورغان لإدارة الأصول”: إنه من المبكر جداً تقييم التأثير الفعلي لما يحدث في الشرق الأوسط وانعكاساته على الأسواق.
فيما قال محللون في بنك إستراليا الوطني، إن ابتعاد المستثمرين عن المخاطرة هو رد الفعل الأولي على تطورات الشرق الأوسط الجيوسياسية وتم احتواؤه نسبيا.
وحاليا تتأرجح أسعار النفط بين الإرتفاع والهبوط ثم تعاود الثبات، أثر المخاوف من أن الصراع قد يمتد إلى ما هو أبعد من قطاع غزة.
ويري غولدمان ساكس: لا يوجد أي تأثير كبير على مخزونات النفط خلال الفترة القادمة بسبب التوترات بين غزة وإسرائيل.
ومن جانبه، قال فيفيك دار مدير أبحاث سلع التعدين والطاقة في بنك الكومنولث الأسترالي: إن الارتفاعات الأخيرة على أسعار النفط بسبب التوترات بين غزة وإسرائيل هي مؤقتة لتأثيرها المحدود على المعروض في السوق.
بينما قال إيد موريس المحلل في سيتي جروب: إن التوترات بين غزة وإسرائيل سيكون لها تأثير طويل الأمد على أسواق النفط. وأعرب محافظ المركزي الفرنسي، فرانسوا فيلروي دو غالو: عن القلق بشكل خاص بشأن تطورات أسعار النفط جراء الوضع في إسرائيل.
وبشأن تأثير الأحداث على توجهات “الفيدرالي” الأميركي، قال أولي هانسن رئيس قسم السلع في “ساكسو بنك”: إن التوترات بين غزة وإسرائيل قد تجبر “الفيدرالي” على وقف عمليات رفع الفائدة.
وطبقا لدراسة أجراها المعهد الاقتصادي الألماني “آي دبليو”: في الوقت الذى بلغت فيه خسائر الاقتصاد العالمي من جراء الحرب في أوكرانيا أكثر من 1.6 تريليون دولار على مدار العام الماضي، فإن التكلفة الأكبر يتكبدها عدد من اقتصادات البلدان النامية في ضوء ما تواجهه كثير منها من تحديات مُضاعفة ومتزايدة.
وقد يري كثير من العقلاء، أنه قد حان وقت الجلوس على طاولة المفاوضات ونبذ جميع أشكال العنف والتطرف واعلاء القيم الإنسانية والتسامح والتعايش وقبول الآخر.
ولن يتم ذلك إلا عن طريق الإهتمام بقضايا المناخ و وقف جميع الحروب الدائرة والتوقف عن إشعال حروب جديدة سواء كانت اقتصادية أوعسكرية وتوجيه إقتصادات العالم نحو التعمير والبناء وحل مشاكل بلدان العالم النامي بصفة عامة، وبلدان منطقة الشرق الأوسط الإقتصادية بصفة خاصة، وتبني حل الدولتين لتنعم المنطقة والعالم بالسلام والإزدهار والتنمية.
فهل يستفيق العالم قبل أن تتسع أعمال العنف ويجر إلى حرب عالمية ثالثة، لامنتصر فيها إلا قوي الشر والظلام.
