د.رفعت جبر: تكنولوجيا الحياة.. ابتكارات تعيد ترسيم المستقبل بعيدًا عن دخان الحروب

عضو المجلس الأعلى للثقافة_ رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

في عالم تنهال علينا فيه أخبار المسيرات الانتحارية والأسلحة الذكية التي سُخّرت لتقصير الأعمار وتضييق مساحات الأمان، يسهل أن ينسحب الإنسان إلى مساحة من اليأس، ظنًّا منه أن العقل البشري استُعمر بالكامل لخدمة الدمار.

لكن الواقع يروي حكاية أخرى أكثر عمقًا؛ ففي الوقت الذي تصمم فيه بعض المعامل أدوات القتل، هناك عقول أخرى تقضي ليلها في استلهام العظمة من الطبيعة لترميم ما انكسر في جسد هذا العالم.

في معهد كوريا للآلات والمواد (KIMM)، يعكف الباحثون على فك أحد أعظم أسرار البحر عبر تطوير “الخياشيم الاصطناعية” (Artificial Gills).

تقنية لا تعتمد على تعبئة أسطوانة أكسجين ثقيلة تقيد الغواص بمدى زمني محدد، بل على أغشية دقيقة للغاية (Micro-porous Membranes) تسمح بمرور الغازات وتمنع جزيئات الماء، مما يمكّن الإنسان مستقبلًا من فصل الأكسجين الذائب في أعماق المحيط والتنفس مباشرة كالكائنات البحرية.

ورغم التحديات التقنية المعقدة المتعلقة بنسبة الاستخلاص وضغط الطاقة، إلا أن الابتكار يفتح بابًا غير مسبوق لاستكشاف البحار ورعايتها.

هذه “الرئة المائية” ليست محاولة فردية، بل نقطة في سيل من الابتكارات التي تصر على منحنا الحياة:

• الأطراف النسيجية الذكية: في مختبرات معهد MIT، لم يعد الطرف الاصطناعي مجرد بديل بلاستيكي أو معدني، بل أطراف تتصل مباشرة بالأعصاب والمخ، تعيد للمصاب حاسة اللمس واستشعار الحرارة، وتمنحه القدرة على احتضان أطفاله بحنان ودقة.

مقص الجينات (CRISPR-Cas9): في مواجهة الخوف من الأسلحة البيولوجية، قدمت هندسة الجينات علاجًا جذريًا لأمراض وراثية استعصت لقرون، مثل أنيميا الخلايا المنجلية والعمى الوراثي، من خلال إعادة تنظيف شفرتنا الوراثية من الأخطاء التراكمية.

الدم الاصطناعي المجفف (ErythroMer): ابتكار يتيح تحويل بودرة جافة إلى خلايا دم حمراء قادرة على نقل الأكسجين لأي مصاب بغض النظر عن فصيلة دمه، وبلا حاجة لثلاجات حفظ، مما يغير قواعد اللعبة في طب الطوارئ والكوارث.

أغشية الجرافين للتصفية: غشاء بسُمك ذرة واحدة يقف سدًا منيعًا أمام الأملاح والبكتيريا، ليحول مياه البحر أو المياه الملوثة إلى مياه شرب نقية بأقل قدر من الطاقة، حاسمًا معارك الجفاف في المناطق الأشد فقرًا.

إن الصراع بين أدوات القتل وأدوات الحياة صراع أزلي، لكن القيمة الحقيقية للحضارة لا تُقاس بقوة الردع وتكلفة التدمير، بل بما نبتكره لنبض الإنسان وكرامته.

ولذلك مهما أظلمت سماء العلم بدخان الحروب، سيظل هناك عالم يرتدي معطفه الأبيض في مختبر هادئ، يراقب فقاعات الأكسجين وهي تنفصل عن الماء، ليثبت أن اليد التي تملك التدمير، هي ذاتها اليد القادرة على إهداء البشرية “رئة جديدة” لتتنفس بها الأمل.

Exit mobile version