د.رفعت جبر: الكوكب في صيف استثنائي.. هل أصبحت الكوارث المناخية إنذارًا للبشرية؟

عضو المجلس الأعلى للثقافة_ رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

هل اختل ميزان الأرض؟.. قراءة في كوارث صيف 2026 بين العلم والإيمان

يقف العالم في ختام صيف عام 2026 أمام مرحلة فارقة من قسوة الطبيعة وجنون المناخ؛ حيث لم تعد التحذيرات مجرد دراسات في أروقة مراكز الأبحاث، بل واقعًا ملموسًا يدق أبواب القارات بلا استثناء. بين إفراط الإنسان في تدمير بيئته والارتفاع التاريخي في انبعاثات الكربون والجشع الصناعي، حيث يواجه كوكب الأرض حالة من الفوضى الشاملة التي تؤكد أن الخلل لم يعد مجرد ظاهرة طارئة، بل غضب عارم تشهده الطبيعة في أعتى لحظاتها.

لم تعد خريطة الكوارث تفرّق بين صحراء وقارة، أو بين دولة نائية وأخرى متقدمة؛ ففي أقصى الغرب، أعلنت هيئة الأرصاد الأمريكية حالة الطوارئ بعد أن غرقت منطقة أنديانابوليس تحت جدار مائي عارم خلال 48 ساعة فقط نتيجة أمطار طوفانية بلغت 280 ملم (معدل هطول يتكرر مرة كل 1000 عام)، مما أسفر عن وفاة 7 أشخاص، وانقطاع الكهرباء عن أكثر من 300 ألف منزل، وتسجيل قياسات تاريخية لفيضان النهر الأبيض متجاوزة أرقام عام 1913.

بالتوازي مع ذلك، ضرب إعصار “لالا” أطراف هاواي برياح عاتية بلغت سرعتها 120 كم/ساعة (مع تسجيل هبات قياسية بلغت 230 كم/ساعة فوق قمة ماونا كيا)، متسببًا في وفاة 4 أشخاص، وانقطاع التيار عن 200 ألف مشترك، وخسائر مادية تجاوزت 100 مليون دولار. وفي شمال القارة، أدت حرائق الغابات في كندا إلى التهامات واسعة النطاق أطلقت سحبًا دخانية غطت سماء القارة الشمالية بأكملها.

الإنسان والمناخ.. أين تبدأ المسؤولية؟

وعلى الجانب الآخر من المحيط، كشفت تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) عن موجة جفاف حاد غير مسبوق في أمريكا الجنوبية، حيث شهدت الأرجنتين انحسارًا في مجاري الأنهار الرئيسية، مما تسبب في تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة تتجاوز 25% ومحاصرة الأمن المائي والغذائي للمنطقة.

أما القارة العجوز وحوض المتوسط، فقد كستها ألسنة اللهب؛ إذ وثّقت منظمة الصحة العالمية (WHO) تسجيل أكثر من 25,000 حالة وفاة مرتبطة بالإجهاد الحراري في أوروبا خلال صيف 2026 (منها نحو 14,000 وفاة في ألمانيا و7,300 في فرنسا)، بعدما تجاوزت درجات الحرارة 41 درجة مئوية وأدت لتعطل الملاحة الأنهار الكبرى.

في حين التهمت الحرائق مساحات شاسعة من غابات اليونان وإسبانيا وتونس والجزائر، مما أدى لإجلاء أكثر من 100 ألف شخص، وتزامن ذلك مع نشاط بركاني مروع لبركان “أتنا” في صقلية الإيطالية وتصاعد حممه مع هزات أرضية متعاقبة.

وفي آسيا، تجسدت المأساة عند الحدود النيبالية-التبتية حين وقع زلزال بقوة 4.4 درجة، تسبب في انهيار كتلة جليدية وصخرية ضخمة من ارتفاع 1200 متر نحو مجرى نهر “ليندي” المتصل بنهر “بهوتي كوشي”؛ حيث تشكل سد مؤقت رفع منسوب المياه 9 أمتار خلال نصف ساعة، قبل أن ينفجر باندفاعة مروعة بلغت سرعتها 50 مترًا في الثانية (180 كم/ساعة)، جارفة المباني والممتلكات ومخلفة عشرات القتلى ومئات المفقودين، وتدمير جسر “راسوواجادي” الحدودي، وامتدت الفيضانات بعنف إلى الأراضي الهندية والبنغالية، بالتوازي مع إعاصير طوفانية ضربت السواحل الشرقية للصين والفيليبين.

وحتى المناطق الصحراوية شهدت اختلالًا كاملًا في حزامها المناخي، إذ اجتاحت المملكة العربية السعودية أمطار طوفانية وسيول جارفة شملت الطائف، وجازان، وعسير، والباحة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة.

وهنا تبرز الحقيقة الكبرى في موضعها المقدس والمنذر؛ فهذا التداعي المتسارع حول العالم ليس مجرد مصادفة جغرافية أو ظاهرة عشوائية، بل هو موضع محتوم للعدالة الإلهية وسنن الخالق في كونه؛ تنبيهًا للإنسان بمدى ضآلته أمام قدرة الباري عندما يطغى ويختل الميزان.

وصدق الله العظيم إذ يضع التشخيص الناجز لهذا الواقع: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

فالأرض لا تنتقم بعشوائية، بل يُجري الله عليها أحكامه ليعيد للبشرية وعيها بحدود الفطرة والتوازن.

مساران للخروج من الأزمة

إن الخروج من هذه الهاوية المناخية يتطلب مسارين لا ينفصلان: مسارًا إيمانيًا وسلوكيًا يستحضر الخشية والعودة الصادقة إلى الله مع الكف عن الإفساد البيئي في الأرض، ومسارًا علميًا وعمليًا يلزم القوى الدولية بوقف التعدي الجائر على الطبيعة، وتقليل الانبعاثات الضارة، وإعادة تصحيح المعايير الهندسية للبنية التحتية لتستوعب الكوارث المتزايدة.

إن صيف 2026 يقدم الرسالة الأقسى وبلاغ التنبيه الأخير لبشرية ظنت أنها سادت على المقدرات؛ فلن ينجو العالم من هذه الأزمات المتصاعدة إلا بوقفة صدق شجاعة، توازن بين العلم والأخلاق، وتستحضر مخافة الله في كل تصرف على هذا الكوكب قبل أن يتسق القصاص الكوني كاملًا.

Exit mobile version