د.رفعت جبر: دافوس يتحول لساحة جيوسياسية.. مصر ترفض أي مقايضة على المياه والصومال

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

في أروقة مؤتمر دافوس، وتحديدًا في الثالث والعشرين من يناير 2026، لم تقتصر النقاشات على الاقتصاد الرقمي والمناخ، بل كانت “الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي” الملف الأبرز على طاولة الكبار.

وسط تكهنات دولية حول إمكانية وجود “صفقات مشبوهة” تهدف لتقديم تنازلات في ملف مياه النيل مقابل غض الطرف عن أطماع إقليمية في الصومال، جاء الرد المصري حاسمًا وصادمًا للكثيرين.

تحول المنتدى من منصة اقتصادية إلى ساحة للمناورات الجيوسياسية الكبرى، حيث عكس استبعاد إيران من المشهد محاولة دولية واضحة لعزل طهران وتضييق الخناق عليها، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الأمريكية وربما ضربة مرتقبة خلال الساعات المقبلة.

وفي قلب هذا المشهد، برزت وساطة ترامب الجديدة في ملف سد النهضة كأداة ضغط مزدوجة؛ فهي من جهة تقدم دعمًا صريحًا للموقف المصري بوصف السد “عائقًا مائيًا خطيرًا”، لضمان انخراط القاهرة في ترتيبات إقليمية أوسع، ومن جهة أخرى تضع إثيوبيا تحت مجهر المراقبة الدولية، مما يوحي بأن دافوس لم يكن مجرد غطاء، بل كان “سوق مقايضات” لترتيب ملفات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تحت سقف واحد.

الصومال: العقيدة الأمنية الجديدة “خارج مياه النيل”

تحاول بعض الدوائر الدولية الترويج لفكرة مقايضة الملفات، لكن التحرك المصري الأخير أثبت أن القاهرة ترى في الصومال “حارسًا جنوبيًا” لأمنها، بمعزل عن مسارات التفاوض المنهكة في ملف سد النهضة.

السيادة الصومالية بالنسبة للقيادة السياسية المصرية ليست ورقة للمساومة، بل امتداد مباشر لأمن قناة السويس.

بروتوكول الدفاع المشترك: من التلويح إلى التنفيذ

لم يعد الدعم المصري لمقديشو مجرد تصريحات دبلوماسية، بل تبلور في اتفاقية دفاع مشترك قلبت موازين القوى في المنطقة، وأبرز بنودها:

– الردع العسكري المباشر: اعتبار أي مساس بوحدة الصومال أو اقتطاع شبر من أراضيه (في إشارة لاتفاقية إثيوبيا مع أرض الصومال) بمثابة اعتداء مباشر على مصر.

– التواجد الميداني: تفعيل بند نشر قوات مصرية وخبراء عسكريين لتأمين السواحل الصومالية الطويلة، مما يقطع الطريق أمام أي طموحات إثيوبية للوصول إلى “المياه الدافئة” بطرق غير شرعية.

– التسليح النوعي: البدء في تزويد الجيش الصومالي بمنظومات دفاعية قادرة على حماية حدوده البرية والبحرية.

لماذا ترفض القاهرة “الصفقات المشبوهة”؟

في دافوس 2026، وجهت مصر رسالة واضحة للقوى العظمى:

– استقلال المسارات: لا تراجع عن الحقوق المائية في النيل، ولا تهاون في وحدة الصومال. المساران متوازيان وليسا محل تفاوض تبادلي.

– الأمن الملاحي: أي تهديد لاستقرار الصومال هو تهديد مباشر لباب المندب، وبالتالي خنق لقناة السويس، وهو ثمن لن تقبله القاهرة مهما كانت الضغوط.

– كسر سياسة الأمر الواقع: التحرك المصري في الصومال يهدف لكسر محاولات إثيوبيا لفرض سيطرتها كقوة مهيمنة وحيدة في القرن الأفريقي.

ولادة “محور استقرار” تقوده القاهرة

ما حدث في دافوس يمثل إعلانًا رسميًا عن ولادة “محور استقرار” تقوده القاهرة من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي، مؤكدة أن أمن الصومال وسيادته “خط أحمر” غير قابل للتفاوض، حتى لو تطلب الأمر مواجهة مفتوحة لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني والتاريخي.

المشهد يتبلور في معادلة حساسة تربط بين أمن المياه في النيل والتحركات العسكرية المصرية في الصومال؛ حيث تسعى القوى الدولية لتهدئة الجبهة الصومالية ومنع الصدام المباشر بين القاهرة وأديس أبابا عبر تقديم “وعود مائية” مقابل ضبط النفس المصري.

الخلاصة

الرهان المصري معلق على مدى قدرة واشنطن على تحويل هذه المبادرات إلى “اتفاق قانوني ملزم” يتجاوز سياسة تسكين الأزمات ويضمن حقوق مصر المائية مقابل دورها القيادي في استقرار المنطقة، بعيدًا عن فخ الاستدراج الذي قد يهدف فقط لتجميد التحرك المصري في الصومال.

Exit mobile version