يعيش البشر داخل فقاعة كونية هائلة تصنعها الشمس، وتُعرف باسم الغلاف الشمسي «الهليوسفير»، وهي منطقة واسعة تتشكل بفعل تدفق الغاز والمجال المغناطيسي للشمس، وتعمل كدرع يحمي كواكب النظام الشمسي من البيئة القاسية بين النجوم.
لكن السؤال الذي لا يزال يحير العلماء هو: ما الشكل الحقيقي لهذه الفقاعة؟
فالنماذج العلمية المختلفة تقترح أشكالًا متباينة، خصوصًا في المنطقة الممتدة خلف النظام الشمسي، حيث يمكن أن يبدو الغلاف الشمسي، وفق بعض النماذج، شبيهًا برصاصة، أو كرواسون، أو حتى حبة بطاطس.
والآن، قدم باحثون من جامعة كيه يو لوفين البلجيكية طريقة جديدة يمكن أن تساعد في حل هذا اللغز، من خلال دراسة الفقاعات الغازية المحيطة بنجوم أخرى، والمعروفة باسم الأغلفة النجمية «Astrospheres».
فقاعة كونية تحمي الأرض
يمتد من الشمس باستمرار تدفق من الغاز يعرف باسم الرياح الشمسية، ويتحرك إلى الخارج من الشمس، متسارعًا في البداية ثم يتباطأ تحت تأثير الوسط بين النجوم.
وعندما تتفاعل الرياح الشمسية مع هذا الوسط، تتشكل منطقة صدم تتواجه عندها البلازما الشمسية والبلازما بين النجمية.
وتنشئ هذه العملية الغلاف الشمسي، الذي يمثل الحد الفاصل تقريبًا بين تأثير الرياح الشمسية والبيئة بين النجوم.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية كبيرة لأنها تساعد على حماية كواكب النظام الشمسي من الجسيمات عالية الطاقة والأشعة الكونية الموجودة في الوسط بين النجمي.
ومع ذلك، فإن العلماء لا يعرفون حتى الآن الشكل الدقيق للغلاف الشمسي، ولا سيما امتداده الخلفي البعيد.
لماذا يصعب رؤية الغلاف الشمسي؟
تكمن المشكلة في أننا نعيش داخل الغلاف الشمسي، ولذلك لا يمكننا النظر إليه من الخارج مباشرة.
ولهذا السبب، يتجه العلماء إلى دراسة نجوم أخرى تمتلك فقاعات مشابهة حولها.
فالنجوم لا تختلف عن الشمس في قدرتها على إطلاق رياح نجمية، وهذه الرياح تتفاعل بدورها مع الوسط بين النجوم لتكوين فقاعات تعرف باسم الأغلفة النجمية.
ويمكن أن تقدم دراسة هذه الأغلفة معلومات مهمة عن البيئات المحيطة بالنجوم، وعن الظروف التي يمكن أن تؤثر في قابلية الكواكب للحياة، بل وربما تساعد أيضًا في فهم شكل الغلاف الشمسي وتاريخ الشمس نفسها.
«هubble» يمكنه رؤية الإشارة الخفية
تبدو النجوم للعين المجردة في السماء كنقاط بيضاء لامعة، لكن التلسكوبات الفضائية تستطيع تحليل الضوء الصادر منها ومن المناطق المحيطة بها.
ومن بين الأدوات التي يمكن استخدامها في هذه المهمة تلسكوب هابل الفضائي، الذي يستطيع رصد نوع خاص من الإشعاع يعرف باسم إشعاع ليمان-ألفا «Lyman-α».
وينشأ هذا الإشعاع في الأغلفة النجمية من تفاعلات ذرات الهيدروجين المتعادلة مع البروتونات القادمة مع الرياح النجمية.
وعند الحدود بين الغلاف النجمي والوسط بين النجوم، تتجمع ذرات الهيدروجين حول منطقة الصدم، مكونة ما يشبه «جدارًا هيدروجينيًا».
كما تعبر بعض ذرات الهيدروجين منطقة الصدم وتملأ الغلاف النجمي نفسه.
وتقوم هذه الذرات بامتصاص إشعاع ليمان-ألفا الصادر من النجم، ثم تعيد إطلاقه، ما ينتج إشارة ضوئية منتشرة تحيط بالنجم.
ومن خلال رسم خريطة لهذه الإشعاعات في بيانات التلسكوبات، مع أخذ امتصاص الضوء أثناء رحلته من النجم إلى الأرض في الاعتبار، يمكن للعلماء إعادة بناء البنية العامة للغلاف النجمي.
نموذج ثلاثي الأبعاد لرؤية الفقاعة النجمية
طور فريق الباحثين من جامعة كيه يو لوفين نموذجًا ثلاثي الأبعاد يمكنه حساب الإشعاع الصادر من الغلاف النجمي لنجم بعيد.
وأظهر النموذج أنه رغم امتصاص جزء من الإشارة أثناء انتقالها عبر الفضاء، فإن جزءًا من الإشعاع يظل قابلًا للرصد من الأرض.
وتعتمد إمكانية رؤية الغلاف النجمي على عاملين رئيسيين، هما حركة النجم وزاوية الرؤية من الأرض.
وفي بعض الحالات، يمكن أن تسمح هذه الظروف برصد صورة كاملة للغلاف النجمي.
وقال زيقي وو، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن النموذج الجديد يستطيع إنتاج خريطة للإشعاع الصادر عن الفقاعة التي تصنعها الرياح النجمية حول النجم.
وأشار إلى أن هذه الإشعاعات يمكن قياسها باستخدام تلسكوب هابل الفضائي.
هل يكشف هابل شكل النظام الشمسي؟
تفتح الطريقة الجديدة الباب أمام استخدام الأغلفة النجمية البعيدة باعتبارها نماذج طبيعية تساعد العلماء في فهم الغلاف الشمسي الذي يحيط بنظامنا.
فإذا تمكن العلماء من تصوير عدد كافٍ من الأغلفة النجمية وفهم العلاقة بين شكلها وخصائص النجوم وحركتها والوسط المحيط بها، فقد تساعد هذه البيانات في تحسين النماذج المستخدمة لتحديد شكل الغلاف الشمسي.
وهذا قد يقرب العلماء من الإجابة عن السؤال المحير: هل يمتد الغلاف الشمسي خلف النظام الشمسي في شكل يشبه الرصاصة، أم الكرواسون، أم أن بنيته أقرب إلى شكل حبة البطاطس؟
أهمية تتجاوز شكل «الفقاعة»
لا تقتصر أهمية البحث على معرفة الشكل الخارجي للغلاف الشمسي.
فالأغلفة النجمية توفر نافذة جديدة لدراسة البيئات المحيطة بالنجوم، وكيف تتفاعل الرياح النجمية مع الوسط بين النجوم، وما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى الظروف المحيطة بالكواكب.
كما يمكن لهذه الدراسات أن تساعد في فهم قابلية الكواكب للحياة، لأن البيئة التي تتعرض لها الكواكب تعتمد جزئيًا على نشاط نجمها والرياح والجسيمات التي يطلقها.
وتوفر الدراسة، التي لا تزال قيد المراجعة للنشر في دورية The Astrophysical Journal Letters، طريقة جديدة للتحقق من شكل الغلاف الشمسي بصورة غير مباشرة، من خلال مراقبة الأغلفة النجمية حول النجوم البعيدة.
وبذلك، قد يصبح النظر إلى «فقاعات» النجوم الأخرى وسيلة لمعرفة شكل الفقاعة الكونية التي نعيش داخلها، وفهم الدرع الذي يحمي النظام الشمسي من البيئة القاسية في الفضاء بين النجوم.
