كشفت دراسة علمية حديثة أن نجاح حملات التوعية الخاصة بتغير المناخ لا يعتمد فقط على قوة المعلومات أو حجم الأدلة العلمية، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بالشخص الذي ينقل الرسالة ومدى ثقة الجمهور فيه.
وأوضح الباحثون أن الأفراد يكونون أكثر استعدادًا لتغيير سلوكهم البيئي عندما يتلقون الرسائل من شخصيات يثقون بها، مثل أفراد الأسرة والأصدقاء والأطباء وقادة المجتمعات المحلية، مقارنة بالرسائل العامة التي تعتمد على الإحصاءات أو التخويف.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Climate Change.
إطار جديد لتحسين التواصل المناخي
طور باحثون من مركز تغير المناخ والتحولات الاجتماعية (CAST) بجامعة باث البريطانية إطارًا عمليًا يساعد الباحثين وصناع السياسات والمؤسسات على تصميم حملات توعية أكثر فاعلية.
ويقسم الإطار عملية التأثير إلى أربعة عناصر رئيسية، تشمل الشخص الذي يقدم الرسالة، والجمهور المستهدف، وطريقة انتقال الرسالة، والسلوك المطلوب تغييره.
ويرى الباحثون أن فهم العلاقة بين هذه العناصر يسهم في زيادة فرص تبني السلوكيات الصديقة للبيئة.
من هو الشخص الأكثر تأثيرًا؟
تشير الدراسة إلى أن الأشخاص المؤثرين لا يقتصرون على المشاهير أو السياسيين، بل يشملون أيضًا الأطباء، والمعلمين، ورجال الدين، وأصحاب الأعمال، والحلاقين، إضافة إلى أفراد الأسرة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل.
كما تلعب الحكومات ووسائل الإعلام والشركات دورًا مهمًا من خلال السياسات والحملات الإعلامية التي تؤثر في السلوك المجتمعي.
وأكد الباحثون أن نجاح الرسالة يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية، هي الثقة في الشخص الذي يقدمها، ومصداقيته، ومدى ارتباطه بحياة المتلقي.
الجمهور ليس متلقيًا سلبيًا
لفتت الدراسة إلى أن الجمهور لا يستقبل الرسائل بصورة سلبية، بل يتفاعل معها وفقًا لعوامل عديدة تشمل العمر، والدخل، والقيم، والانتماءات الاجتماعية والسياسية، والخلفية الثقافية.
كما أوضح الباحثون أن التأثير الحقيقي يعتمد على وجود حوار وتفاعل متبادل بين المرسل والمتلقي، وليس مجرد توجيه رسائل أحادية الاتجاه.
كيف تنتقل رسائل المناخ؟
حدد الباحثون عدة طرق تنتقل من خلالها الرسائل المؤثرة، من بينها المحادثات اليومية، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والسلوك الذي يراه الناس في محيطهم، إضافة إلى السياسات الحكومية والمبادرات المؤسسية.
وأشاروا إلى أن الأعراف الاجتماعية تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل السلوك، إذ يميل الأفراد إلى تبني ما يعتبرونه سلوكًا طبيعيًا أو مقبولًا داخل مجتمعهم.
بعض السلوكيات أكثر قابلية للتأثر
بينت الدراسة أن بعض القرارات اليومية تكون أكثر تأثرًا بالنفوذ الاجتماعي، مثل استخدام الدراجة بدلًا من السيارة، أو التحول إلى نظام غذائي نباتي، أو تركيب مضخات حرارية لتدفئة المنازل، أو تقليل استهلاك الطاقة.
وفي هذه الحالات، يعتمد كثير من الأشخاص على ملاحظة ما يفعله الآخرون قبل اتخاذ القرار.
خارطة طريق لتسريع العمل المناخي
قال الدكتور سام هامبتون، الباحث بقسم علم النفس في جامعة باث، إن القلق العام من تغير المناخ أصبح واسع الانتشار، لكن التغييرات السلوكية المطلوبة للحد من أسوأ آثاره لا تزال تسير بوتيرة بطيئة.
وأضاف أن جعل الخيارات البيئية أسلوب حياة طبيعيًا يتطلب الاستفادة من التأثير الاجتماعي ومن الأعراف السائدة داخل المجتمعات، مع اختيار الشخص المناسب لتوصيل الرسالة إلى الجمهور المناسب.
من جانبها، أوضحت مديرة مركز CAST، لورين ويتمارش، أن الأعراف الاجتماعية تمثل إشارات قوية، وإن كانت غير مرئية، تؤثر في سلوك الأفراد بصورة يومية، مؤكدة أن توظيف هذا التأثير بشكل منهجي يمكن أن يسرّع جهود مواجهة تغير المناخ.
ويرى الباحثون أن حملات التوعية ستكون أكثر نجاحًا إذا بُنيت منذ البداية على فهم طبيعة الجمهور، واختيار الشخص الأكثر تأثيرًا بالنسبة إليه، بدلًا من الاكتفاء بنشر الرسائل العامة.
