قد تدمر السيول المفاجئة مجتمعًا بأكمله خلال دقائق، كما أنها من أصعب الكوارث الطبيعية التي يمكن التنبؤ بها بسبب سرعتها وشدة تغيرها خلال فترات زمنية قصيرة.
لكن علماء يستعينون الآن بتقنية مستوحاة من الذكاء الاصطناعي المستخدم في توليد الصور لتطوير نماذج قادرة على التنبؤ بمخاطر السيول المفاجئة ساعة بساعة، والتقاط الارتفاعات الحادة في منسوب المياه التي قد تفوتها نماذج التنبؤ التقليدية.
وقاد البحث فريق يضم علماء من جامعة ولاية بنسلفانيا، بقيادة تشاوبنغ شين، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية، بصفته الباحث المسؤول عن الدراسة.
ونُشرت الدراسة في مجلة Water Resources Research.
كارثة تتحرك بسرعة
تمثل السيول المفاجئة نحو 85% من جميع الفيضانات، وتتسبب في آلاف الوفيات حول العالم كل عام.
ووفقًا لخدمة الطقس الوطنية الأمريكية، يمكن أن يرتفع منسوب المياه في بعض حالات السيول بنحو 30 قدمًا، أي أكثر من 9 أمتار، ثم يعود إلى مستواه الطبيعي خلال اليوم نفسه، ما يجعل توقيتها وشدتها شديدة الصعوبة في التنبؤ.
وقد اتبعت بعض أسوأ الفيضانات التي شهدتها السنوات الأخيرة هذا النمط، ومن بينها الفيضانات التي اجتاحت وسط تكساس خلال صيف عام 2025، عندما ارتفعت المياه ثم انحسرت خلال ساعات قليلة.
عندما لا تكفي التوقعات اليومية
يعمل شين وفريقه منذ سنوات على تطوير نماذج للتنبؤ بالفيضانات باستخدام تعلم الآلة، وتتعلم النماذج واسعة النطاق من بيانات هطول الأمطار السابقة وبيانات التدفق النهري، أي معدل تحرك المياه داخل النهر.
وتتمتع هذه النماذج بأداء جيد في التنبؤ العام بالفيضانات، لكنها تواجه صعوبة في التقاط شدة التحولات المفاجئة التي يمكن أن تحدث أثناء أحداث الطقس المتطرفة.
والسبب الرئيسي هو المقياس الزمني.
فالنموذج السابق الذي طوره الفريق كان يعمل على أساس يومي، في حين أن ذروة السيول المفاجئة تحدث خلال ساعات.
وأوضح شين أن الفريق سبق أن طور نموذجًا للتنبؤ اليومي بالفيضانات، لكن من المعروف على نطاق واسع أن ذروة السيول المفاجئة تظهر على مقياس زمني ساعي.
وأضاف أن مستويات المياه يمكن أن ترتفع وتنخفض بسرعة خلال ساعات قليلة، ما يعني أن الحدث قد يبدو مرتفعًا عند النظر إليه على أساس يومي، لكنه لا يبدو بالضرورة كارثيًا. أما معايرة النموذج على أساس ساعي، فتتيح التقاط الذروات الاستثنائية التي يمكن أن تسبب أضرارًا كبيرة بصورة أكثر موثوقية.
التعلم من «الصور» المشوشة
تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على التعلم من بيانات التدريب واكتشاف الأنماط الموجودة في أمثلة سابقة.
ويشبه شين هذه العملية بإعطاء النموذج صورة أو جملة ينقصها جزء، ثم مطالبته بتوقع الجزء المفقود.
وقال إن العلماء قبل عصر الذكاء الاصطناعي كانوا يضطرون إلى دمج البيانات يدويًا، بالاعتماد على قدر كبير من الافتراضات والتعامل مع عمليات رياضية معقدة للوصول إلى التنبؤات.
لكن التطور السريع في علوم الذكاء الاصطناعي خلال العقد الماضي غيّر الطريقة التي يجري بها علماء الهيدرولوجيا عمليات التنبؤ.
وبحسب شين، يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذ هذه المهمة بصورة أسرع وأسهل من خلال نماذج توليدية مدربة على البيانات الموجودة بالفعل.
نموذج مختلف عن ChatGPT
ولا يعتمد النموذج الجديد على نماذج اللغة الكبيرة التي تقف وراء روبوتات المحادثة مثل ChatGPT، بل يستخدم تقنية تعرف باسم نموذج الانتشار (Diffusion Model)، وهي من أكثر التقنيات شيوعًا في تطبيقات توليد الصور.
وتعمل الفكرة بصورة مبسطة على النحو التالي: يبدأ نموذج الانتشار بمعلومات كاملة ونظيفة، ثم تضاف إليها كمية من «الضوضاء»، أي معلومات عشوائية وغير متوقعة.
بعد ذلك يتعلم الذكاء الاصطناعي إزالة هذه الضوضاء وإعادة بناء المعلومات الأصلية بصورة قابلة للفهم.
ويرى شين أن هذه الطريقة مناسبة بصورة خاصة للتنبؤ بالفيضانات، لأن بيانات هطول الأمطار على أساس ساعي شديدة التقلب وغير قابلة للتنبؤ بدقة.
ومن خلال تدريب النموذج على التعامل مع الضوضاء، يتعلم كيفية التعامل مع البيانات المناخية والمائية غير المنتظمة والمعقدة.
كما تتيح الطريقة للنموذج تقدير مدى عدم اليقين في تنبؤاته، وهي ميزة مهمة عند التعامل مع ظواهر طبيعية سريعة ومتقلبة مثل السيول المفاجئة.
إدخال بيانات جديدة دون إعادة تدريب النموذج
يمتلك النموذج أيضًا قدرة إضافية مهمة؛ إذ يمكنه الاستفادة من قراءات جديدة من محطات قياس الأنهار دون الحاجة إلى إعادة تدريبه من البداية.
وتعرف هذه العملية باسم Inpainting، أو ملء المعلومات الناقصة.
وأوضح شين أن بيانات التدريب الأساسية للنموذج تتضمن هطول الأمطار على أساس ساعي، والتدفق النهري المتوقع، وغيرها من البيانات التي جرى جمعها من الأنماط السابقة.
لكن يمكن أيضًا إدخال معلومات جديدة شبه فورية إلى النموذج، بحيث يمكن سؤاله، على سبيل المثال، عن مستوى ذروة المياه المتوقع خلال اليوم، إذا كان التدفق النهري في اليوم السابق عند مستوى معين، وكان هطول الأمطار خلال ساعات اليوم الحالي عند مستوى محدد.
وهذا يعني أن النموذج لا يعتمد فقط على الأنماط التاريخية، بل يمكن تحديث توقعاته اعتمادًا على البيانات التي تصل في الوقت شبه الحقيقي.
اختبار النموذج على مئات الأحواض النهرية
درّب الفريق النموذج باستخدام سجلات التدفق النهري على أساس ساعي من 516 حوضًا نهريًا في أنحاء الولايات المتحدة.
وامتدت بيانات التدريب من عام 1990 إلى 2003، ثم اختبر الباحثون النموذج على بيانات من 2009 إلى 2014، وهي فترة لم يرها النموذج أثناء التدريب.
وأظهر نموذج الانتشار أداءً أفضل عمومًا من أفضل نماذج التعلم العميق الساعية الموجودة، بما في ذلك خلال فترات ارتفاع التدفق، وهي من أصعب الظروف التي يمكن التنبؤ بها.
كما نجح النموذج في التعامل مع كمية المياه التي تتدفق خلال ذروة الفيضان، وليس مجرد توقع حدوث ارتفاع في مستوى المياه.
النموذج يستطيع العمل بالعكس أيضًا
يمتلك النموذج ميزة أخرى لافتة؛ إذ يستطيع العمل في الاتجاه المعاكس، فإذا حصل الباحثون على بيانات التدفق النهري المسجلة بالفعل عند إحدى محطات القياس، يمكن للنموذج تقدير كمية الأمطار الساعية التي يُرجح أنها تسببت في ذلك التدفق.
وتفتح هذه القدرة مجالًا لاستخدام النموذج ليس فقط للتنبؤ بما سيحدث، وإنما أيضًا لفهم الظروف الجوية التي أدت إلى حدث فيضاني وقع بالفعل.
الهدف النهائي: إنقاذ الأرواح
يعتزم الفريق مواصلة تطوير النموذج، مع اختبار أساليب هجينة مختلفة لتدريب الذكاء الاصطناعي.
كما يريد الباحثون تطوير نماذج تستفيد من عدد أكبر من المتغيرات الفيزيائية عند إجراء التنبؤات، بما قد يساعد على تحسين فهم العمليات التي تقف وراء الفيضانات بدلًا من الاعتماد على الأنماط الإحصائية وحدها.
لكن الهدف بالنسبة إلى شين ليس الوصول إلى نموذج واحد باعتباره «الأفضل» في جميع الحالات.
وقال إن كل نموذج يمتلك جوانب يكون أكثر ملاءمة لها من غيرها، وإن الغاية النهائية هي تطوير نظام متين وموثوق وقادر على المساعدة في إنقاذ الأرواح.
ويشير الباحث إلى أن الفريق يحرز تقدمًا في هذا الاتجاه، مع استمرار العمل على تحسين دقة النماذج وقدرتها على التعامل مع الأحداث الفيضانية المفاجئة.
وتأتي أهمية هذا النوع من النماذج من أن الدقائق والساعات القليلة التي تسبق ذروة السيول يمكن أن تكون حاسمة بالنسبة إلى أنظمة الإنذار المبكر، وإجلاء السكان، وتقليل الخسائر البشرية والمادية.
