د.هالة إمام: قتل الابتكار في صمت.. كيف تستحوذ القيادة على الإبداع؟
أستاذ القانون الجنائي المساعد
في السنوات الأخيرة، بدأت تتكشف داخل بيئات العمل ظاهرة خطيرة لا تُمارَس بصوت مرتفع، ولا تُسجَّل في محاضر رسمية، لكنها تُحدث أثرًا تدميريًا بالغًا في روح الابتكار داخل المؤسسات. ظاهرة يمكن وصفها بأنها اغتصاب صامت للأفكار؛ تُمارَس أحيانًا باسم الخبرة، وأحيانًا تحت غطاء القيادة، لكنها في جوهرها تؤدي إلى قتل الابتكار وتجفيف منابعه.
تبدأ القصة غالبًا بشكل متكرر: موظف يقترح فكرة تطويرية، أو مشروعًا جديدًا، أو حلًا مبتكرًا لمشكلة قائمة. وبدلًا من مناقشة الفكرة أو نسبها إلى صاحبها، يُقابلها بعض القيادات بعبارة مألوفة: «هذه الفكرة كانت في ذهني من قبل»، أو «نحن نعمل عليها بالفعل». في لحظة واحدة، تُسحب الجِدّة من الفكرة، ويُجرَّد صاحبها من حقه المعنوي، دون نزاع ظاهر، ودون مساءلة.
هذه الممارسة لا يمكن اختزالها في سوء تواصل أو اختلاف وجهات نظر، بل تمثل سلوكًا ممنهجًا في بعض البيئات، يقوم على الاستحواذ الرمزي على الأفكار، مقرونًا بإقصاء أصحابها معنويًا. إنها ازدواجية خطيرة: القائد يتبنى الفكرة، لكنه ينفي صاحبها.
الأثر التراكمي
الخطورة الحقيقية لا تكمن في فكرة واحدة ضاعت، بل في الأثر التراكمي لهذا السلوك. فالموظف الذي يشعر بأن فكرته أُلغيت، أو نُسبت إلى غيره، لن يغامر مرة أخرى. ومع تكرار التجربة، تتشكل ثقافة صامتة تقول إن الابتكار مكلف، والمبادرة مخاطرة. وهنا يبدأ القتل البطيء للإبداع، لا بقرار إداري، بل بسلوك يومي متكرر.
من زاوية أخلاقية، يُعد هذا السلوك انتهاكًا واضحًا لمبدأ العدالة المهنية. أما من زاوية تنظيمية، فهو يقوض الثقة، ويضعف الولاء المؤسسي، ويحوّل الموظفين إلى منفذين صامتين بدلًا من شركاء في التطوير. لكن الأخطر من ذلك هو البعد القانوني الذي نادرًا ما يُناقش.
فحين يستخدم القائد سلطته الوظيفية لنفي جهد مرؤوسه، أو للاستيلاء المعنوي على فكرته، فإننا نكون أمام صورة من صور إساءة استعمال السلطة. وحين يتكرر هذا السلوك ويُحدث أذى نفسيًا ومهنيًا مستمرًا، يقترب الأمر من مفهوم الاعتداء المعنوي، حتى وإن لم تعترف به التشريعات صراحة بعد. إنها جريمة صامتة، لا تترك أثرًا ماديًا مباشرًا، لكنها تُحدث أثرًا إنسانيًا وتنظيميًا بالغ الخطورة.
المفارقة أن كثيرًا من المؤسسات ترفع شعارات الابتكار، وتعقد ورش العصف الذهني، بينما تُدار الممارسات اليومية بعكس ذلك تمامًا. فالابتكار لا يُقتل بغياب الأفكار، بل بغياب الاعتراف. ولا يُجهض بسبب ضعف الموظفين، بل بسبب خوفهم من التهميش.
مواجهة الظاهرة
مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، بل بإجراءات واضحة، تشمل توثيق الأفكار، وإرساء ثقافة تنسب الجهد إلى صاحبه، وإدراج السلوك القيادي الأخلاقي ضمن معايير التقييم، وفتح نقاش جاد حول حماية الحقوق المعنوية للموظفين. كما أن على المشرّع، عاجلًا أو آجلًا، إعادة النظر في مدى كفاية الحماية القانونية الحالية لرأس المال الفكري البشري داخل المؤسسات.
في النهاية، الابتكار لا يحتاج إلى عباقرة خارقين بقدر ما يحتاج إلى بيئة عادلة. وكل قيادة تقتل فكرة اليوم، إنما تقتل مستقبل مؤسستها غدًا. فالأفكار قد تُغتصب، لكن الثمن تدفعه المنظمة بأكملها.
ويبقى الفرق جوهريًا بين من يُبدع الفكرة ومن يستولي عليها؛ فالمبتكر الحقيقي قادر على توليد الأفكار وتنميتها وتحويلها إلى واقع حي، لأنه يفهم منطقها وروحها ومسار تطورها. أما سارق الأفكار، فحتى لو نسبها إلى نفسه، يظل عاجزًا عن تطويرها أو تنفيذها، لأنه لم يكن يومًا صاحبها، بل مجرد عابر على هامشها. فالإبداع لا يُغتصب، وإنما يُمارَس، ومن لا يملكه لا يستطيع أن يصنع به مستقبلًا.





