د.معتز محمد أبو زيد: العدالة المناخية وحقوق الإنسان

قاض – محاضر مواد القانون العام "خبير تشريعات حقوق الانسان "

تحتل العدالة المناخية مركزا متميزا من الدراسات و الأبحاث بحكم أنها الوجه القابل للتنفيذ فيما يتصل بمواجهة التغيرات المناخية و الجانب الشامل لكل الأنشطة الفردية أو الرسمية أو الدولية للمشاركة في الحد من أضرار التغير المناخي و تحديد مسئولية هذه المشاركة و الالتزام الأخلاقي و الأدبي و القانوني و الاقتصادي لتحقيق هذه الأهداف .

و لعل الصلة القوية بين العدالة المناخية و حقوق الانسان هي السبب في أن العدالة المناخية تمتعت بهذا القدر من المرونة و التفاعل فمصطلح حقوق الانسان بما يتمتع به من اتساع و جاذبية و ارتباط بجوانب سياسية و مدنية و اقتصادية و الجتماعية و ثقافية هو الحقل الأوسع لاستيعاب أفكار العدالة المناخية خاصة و أن مصطلح العدالة المناخية مرتبط بالعدالة الاجتماعية و التي هي من نتائج الاعتراف و التطبيق لمنظومة حقوق الانسان .

الا أن ما يدعو للانتباه في هذا الشأن ليس فقط ما ترتبط به أفكار العدالة المناخية بحقوق الانسان أو الصلة البسيطة و المباشرة و هي أن تطبيق العدالة المناخية هي منفذ من منافذ حقوق الانسان و وسيلة لنماء و تحسين البشر أو اذا شئنا الانتقال الى مستوى أعلى من الأهمية بأن تحقيق العدالة المناخية هي من وسائل الحفاظ على الحياة السليمة للبشر و هي من أهم الحقوق و الحريات الأساسية للانسان و هي سلامة الجسم و النوع و الحياة الصحية و البيئة النظيفة .

و قد يكون الاتصال على جانب متطور لما تشهد حقوق الانسان من اضافات في العصر الحديث من اضافة حقوق الولوج الى العوالم الرقمية و صيانة حقوق الأجيال القادمة في الحياة السليمة و البيئة النظيفة و مواجهة أخطار الفناء أو الاندثار أو الأمراض و ما يرتبط في ذلك بأفكار الممارسات الخضراء و مواجهة أخطار الانبعاثات الضارة .

و من ناحية أخرى و بعيدا عن عما يخامر مجال حقوق الانسان من تأصيل لما تعارف عليه الأفراد من مصطلحات حقوق الانسان أو ما أضيف اليه من مصطلحات جعلت حقوق الانسان تنتقل الى المجال البيئي أو الرقمي فان النظرة الى العدالة المناخية و ارتباطها بحقوق الانسان يجب أن تكون بدرجة أكبر من التعمق حيث ان العدالة المناخية هي في حد ذاتها طبيعة مشابهة لحقوق الانسان حتى و ان لم ترتبط بها أو تنحدر عنها أو تؤدي اليها ، فحقوق الانسان هي مبادئ عالمية تحميها المواثيق الدولية و تقرها و تحميها التشريعات الداخلية للحفاظ على الحقوق و الحريات الثابتة و المتوارثة و المتطورة عبر تاريخ و كرامة الانسانية بهدف نماء و رفاهية حياة البشر ، و لا شك أن لهذا التعريف من العناصر ما ينطبق بجلاء على فكرة العدالة المناخية و هو ما يمكن النظر من خلاله كوجه ارتباط بين حقوق الانسان و العدالة المناخية .

تمتع حقوق الانسان بطبيعة نسبية غير خافية فهي تخضع لتقديرات عديدة من جانب الأفراد الذين يمارسونها أو الحدود التي تفرضها السلطات من خلال القوانين و اللوائح فلا يوجد ما هو مطلق في مجال حقوق الانسان فهي مبادئ أكثر قيمة من أن ترك بلا تنظيم فتتعثر و تتخبط و تفقد مالها من قيمة و تأثير في حياة الناس و ربما هذه الظاهرة النسبية في مساحة ما يمكن التمتع به من الحقوق و الحريات في أوقات و أماكن و الى حدود معينة تكون من أهم أوجه الشبه بين حقوق الانسان و مجال العدالة المناخية حيث ان العدالة المناخية هي كذلك فكرة نسبية تحمي حقوقا و تحمل الالتزامات بين الأطراف المشاركة كل بحسب ما يمكن أن ينسب اليه من مشاركة في ما تم من تغير مناخي و كل بحسب قدرته على التعامل مع هذه المتغيرات و كا بحسب ما يستطيع تقديمه للخروج من هذه المواجهة فان كانت العدالة المناخية واجبا مشتركا بين الأفراد و الدول و الحكومات الا أن فكرة النسبية تجعل هذا الواجب متفاوتا و نسبيا بين أطرافه و هو من أكثر نقاط التشابه بين أفكار العدالة المناخية و مبادئ حقوق الانسان .

تتغير حقوق الانسان باستمرار و قد تزداد و يضاف اليها ما هو جديد بجانب تطورها لما هو حديث و مواكب لحياة و نشاطات البشر و هو ما يجعلها دائما في صدارة المشهد فهي لا تغيب و لا يمكن تجاهلها كموضوعات للمناقشة و البحث و الدراسة دائما ، و كذلك فان العدالة المناخية هي مصطلح على قدر من الحداثة تجعله يتمتع بذات الصفة من التطور و التحديث المستمر فبعد أن كانت النظرة الى العدالة المناخية تدور في البداية حول المسئولية الدولية و الدعم المادي و النقدي فان الأمر خضع للكثير من التطور فأصبحت تشمل مواجهة مشكلات الطاقة و الحفاظ على سلامة السلالات و مقاومة أخطار الاندثار و الانقراض و المجاعات و تفعيل الحلول لقضايا الأمن المائي و الغذائي و من ثم فالعدالة المناخية لا تدافع عن حقوق الانسان و لا تعتبر من حقوق الانسان و انما هي مضمار يتساوى مع حقوق الانسان في معايير التطور و التحديث حتى في المشكلات التي تتعامل معها و ما تقدمها لها من مشاركات و حلول .

و مما لا شك فيه أن الصفة العالمية هي مجال مشترك على نحو واضح بين العدالة المناخية و حقوق الانسان فالعدالة المناخية فكرة و مبدأ تتم مناقشته بين دول العالم و برعاية الأمم المتحدة من خلال تعاقب مؤتمرات الدول الأعضاء لتقديم خطوات فعالة تتم متابعة تنفيذها من خلال المؤتمرات الدورية للوقوف على تنفيذ ما توصلت اليه دول العالم في ذلك ، و هو ما يؤسس لتاريخ مواز لحقوق الانسان و التي بدأت أهم وثائقها برعاية الأمم المتحدة باصدار الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 و الذي أصبح أكثر و أهم وثائق حقوق الانسان على مستوى العالم و الصادرة برعاية الأم المتحدة و التي تمت ترجمتها لجميع دول العالم .

و كذلك فان مفهوم التشاركية في العمل في مجالات حقوق الانسان من أن مجالها يتسع لقواعد التشريع الصادر عن البرلمان و كذلك خطط و استرتيجيات الحكومة لتنفيذ هذه القواعد بجانب ما يمكن أن يقدمه الأفراد و المؤسسات و الهيئات من الجهات الخاصة و كذلك منظمات المجتمع المدني و أن المشاركة بين القطاع الحكومي و القطاع الأهلي هي من أحدث الاتجاهات و أكثرها فعالية لتحقيق أفضل النتائج في مجالات حقوق الانسان ، و على جانب آخر فان العدالة المناخية كذلك تقوم على ذات الفكرة التشاركية فهي مجموع من توجيهات و مشاركات دول العالم جميعا و تنسيق المنظمات الدولية حيث أنه لا يمكن استبعاد أي من دول العالم من هذه المشاركات و كذلك فان في العدالة المناخية ما يتسع لمشاركات الأفراد و وعيهم و مشاركتهم لتطبيق أفضل معدلات العدالة المناخية و الوصول بها لأفضل النتائج .

و بجانب ما تقدم فان التنوع و الشمولية التي تتميز بها جوانب و قضايا حقوق الانسان و تداخلها مع بعضها البعض و تغطيتها لأنشطة حياة الانسان بشكل متكامل يعكس ظلالا من هذا التنوع و تلك الشمولية كذلك على أفكار و تطبيقات العدالة المناخية و التي انتشرت للعديد من الأصعدة و طالت العديد من الأطراف و توصلت الى العديد من النقاط التي ترتبط بقضايا التغير المناخي من الجوانب الاقتصادية و القانونية و العلمية و البيولوجية و الأخلاقية و السياسية أيضا و هي مجالات التنوع و الشمولية التي يتضح فيها نطاق حقوق الانسان من حيث الفاعلية و التطبيق .

يعتبر ارتباط حقوق الانسان و العدالة المناخية ارتباطا أكبر و أعم و أشمل من ارتباط التشابه أو علاقة الكل بالجزء و انما هي علاقة مجالين لا ينبغي أن يتم تحديدها أو اختزالهما في صورة واحدة للعدالة أو مجال متفرد أو حق من حقوق و انما يتعين أن يكونا على قدر من الاتساع في التناول و البحث و التعامل للوصول الى أفضل الممارسات و تحقيق النتائج المرجوة من وراء هذه المصطلحات و المفاهيم ، و أن هذيم المجالين بقدر اتساعهما ليسا منفصلين أو يفترق كل منهما عن الآخر و لكن يجب استغلال حالات الاشتراك و التداخل بينهما لدعم كل قضية و نفاذ كل مبدأ بفائدة أكبر و منظور أعم و أشمل .

Exit mobile version