د.عاطف معتمد: الصين.. الجغرافيا والسياسة؟!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

قدم تيم مارشال في كتابه “سجناء الجغرافيا” نحو 20 صفحة لتبسيط الجغرافيا السياسية للصين، بأسلوب الكاتب الصحفي الذي يستند إلى معلومات أساسية، دون أن يفقد شغف العرض السلس للفكرة والنقاش.

ورغم مرور عشر سنوات على صدور ذلك الكتاب، فإن بعض معلوماته ما تزال صالحة للقراءة. وسأحاول هنا تلخيص الصفحات العشرين التي كتبها عن الصين في مساحة أقل، بعد إعادة ترتيبها في ثلاثة محاور.

(1) موجز تاريخ الصين

تعود حضارة الصين إلى نحو أربعة آلاف عام، في السهل الفيضي شمال البلاد، في حوض النهر الأصفر وما حوله. ويُعد هذا النهر – كما النيل بالنسبة لمصر – مهد حضارة البلاد ومركز كثافتها السكانية.

ومثل النيل في مصر، يحيط بحوض النهر الأصفر الطيني الخصب عدد من الصحارى والأراضي الجافة؛ فمن الشمال تمتد صحراء جوبي في منغوليا، ومن الجنوب هضبة التبت وجبال الهيمالايا، وفي الغرب صحراء تفضي إلى آسيا الوسطى.

وإذا كنا نقول إن مصر نشأت كأول دولة موحدة في التاريخ قبل خمسة آلاف عام، فإن شعب الهان – وهو أكبر مجموعة عرقية بين شعوب الصين، أسس في تلك البلاد دولة يعود عمرها إلى نحو 3500 سنة.

يشكل الهان نحو 90% من سكان الصين، ويهيمنون على السياسة والأعمال فيها، ويتحدثون أساسًا لغة الماندرين. وفي هذا القلب السياسي والثقافي والديموغرافي يعيش أكثر من مليار نسمة.

ومثل حضارة وادي النيل في مصر، تعرض حوض النهر الأصفر وما يحيط به من مناطق القلب الصيني لغزوات الشعوب المجاورة، خاصة القبائل البدوية القادمة من صحراء منغوليا.

لم تكن حماية القلب الصيني تتم إلا عبر الهجوم بوصفه وسيلة للدفاع؛ ولذلك أخذ القلب الجيوسياسي يتوسع على حساب المناطق المجاورة. وخلال نحو 1500 سنة منذ نشأة الدولة المركزية، توسعت الصين في كل اتجاه حتى وصلت إلى مشارف التبت ومراعي آسيا الوسطى، وجنوبًا حتى بحر الصين الجنوبي.

وإذا كان المصريون القدماء قد بنوا مجموعة من الحصون في سيناء، فيما يشبه السور العازل لصد الجماعات البدوية الغازية، فإن الصين بنت بعد مصر بنحو ألف عام سورها العظيم المتصل لحماية أراضيها من الغزاة، خلال الفترة من 221 إلى 207 قبل الميلاد.

عاشت الصين في أمان نسبي من الغزاة لنحو ألف عام، حتى ظهر خطر المغول، الذين هددوا مصر وغزوا الشام وأخضعوا روسيا.

خريطة توضح الموقع الجغرافي للصين مع أبرز العوائق الطبيعية المحيطة

وصل المغول إلى الصين في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، وبحلول عام 1280 أصبح زعيمهم الشهير قبلاي خان أول حاكم أجنبي يسيطر على الصين، مؤسسًا حكم أسرة يوان التي استمرت نحو قرن، قبل أن يستعيد الهان دولتهم مع أسرة مينج.

ومع مرور القرون، فتح زعماء الصين أبواب التجارة مع مبعوثي الدول الأوروبية الناشئة مثل إسبانيا والبرتغال. واستفادت المناطق الساحلية من هذا التواصل، بينما بقيت المناطق الداخلية أقل تطورًا.

وبحلول القرن الثامن عشر توسعت الصين جنوبًا على حساب بورما والهند الصينية، كما استولت على منطقة تركستان الشرقية ذات الأغلبية المسلمة في الشمال الغربي، في حين كانت روسيا قد بسطت نفوذها على تركستان الغربية في آسيا الوسطى.

في القرنين التاسع عشر والعشرين وصل الاستعمار الأوروبي إلى الصين، وقسمها إلى مناطق نفوذ. وعاشت البلاد ما عُرف بـ”قرن المذلة” لنحو مئة عام، وهو أكبر إذلال تعرض له الصينيون منذ الغزو المغولي.

وفي الثلث الأول من القرن العشرين غزت اليابان الصين، ولم تخرج منها إلا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.

دخلت البلاد بعدها في حرب أهلية انتهت بسيطرة الزعيم ماو تسي تونغ على الحكم عام 1949، حين انتصر الشيوعيون وانسحب خصومهم إلى جزيرة تايوان.

أمضى ماو بقية حياته في ترسيخ سيطرة الحزب الشيوعي على البلاد، مع شبه عزلة عن العالم الخارجي.

وبعد رحيله، تبنت القيادة الجديدة مفهوم “الاشتراكية على الطريقة الصينية”، بما يعني بقاء السيطرة الكاملة للحزب الشيوعي مع تطبيق اقتصاد ذي سمات رأسمالية. ومع الوقت تحولت الصين إلى قوة تجارية كبرى وعملاق عسكري صاعد.

(2) سجن الجغرافيا

تقدم الصين نفسها اليوم قوة عظمى واثقة من أن الجغرافيا الطبيعية التي تحيط بها توفر لها قدرًا كبيرًا من الحماية.

ففي الشمال تمتد صحراء جوبي لمسافة تتجاوز 4500 كيلومتر مع منغوليا. ويصفها تيم مارشال بأنها بمثابة “نظام إنذار مبكر” ضخم وخط دفاعي طبيعي فريد. لكنها في الوقت نفسه تحد من قدرة الصين على التوسع شمالًا.

أما الحدود مع روسيا في الشمال الشرقي فتمتد حتى المحيط الهادئ. وهنا تظهر مفارقة ديموغرافية واضحة، إذ يعيش أقل من 10 ملايين روسي مقابل أكثر من 100 مليون صيني، ما يرجح الكفة الديموغرافية لصالح الصين في المدى الطويل.

ومن الشرق تطل الصين على المحيط الهادئ، بما يمنحها منفذًا واسعًا إلى طرق التجارة العالمية.

وفي الجنوب الشرقي تجاور الصين كلًا من فيتنام ولاوس وميانمار. وقد شهدت العلاقات الصينية الفيتنامية نزاعات طويلة عبر التاريخ، كانت الغلبة فيها غالبًا للصين التي سيطرت على فيتنام لنحو ألف عام.

ومن الجنوب تمتد هضبة التبت، التي تراها الصين ذات أهمية استراتيجية قصوى في علاقتها مع الهند.

يشبه مارشال علاقة الصين بالتبت بـ”الجغرافيا السياسية للخوف”. فلو لم تسيطر الصين على التبت، ربما حاولت الهند بسط نفوذها عليها، وهو ما قد يمنحها موقعًا مرتفعًا يتيح تهديد قلب الصين.

كما تتحكم التبت في منابع ثلاثة من أهم أنهار آسيا: النهر الأصفر، ونهر اليانغتسي، ونهر ميكونغ، ولذلك تُعرف أحيانًا باسم “برج مياه الصين”.

ومن التبت تمتد الحدود عبر جبال الهيمالايا، التي تشكل حاجزًا طبيعيًا هائلًا بين الصين والهند، وقد شهدت هذه المنطقة حربًا بين البلدين عام 1962.

اتبعت الصين منذ منتصف القرن العشرين سياسة فرض الأمر الواقع في التبت، من خلال شق الطرق وبناء السكك الحديدية ونقل ملايين من سكان الهان إليها، ما أحدث تغيرات ديموغرافية كبيرة.

أما في الغرب فتقع منطقة شينجيانغ، أو تركستان الشرقية، ذات الأغلبية المسلمة، والتي تتمتع بحكم ذاتي شكلي.

تكمن خطورة هذه المنطقة في موقعها الجغرافي، إذ تجاور ثماني دول هي: روسيا، ومنغوليا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأفغانستان، وباكستان، والهند.

وقد شهدت المنطقة عدة حركات تمرد ضد الحكم الصيني، واجهتها بكين بقمع شديد، مع زيادة الهجرة الداخلية من الهان، ما أدى إلى تراجع نسبة السكان الأصليين.

ويرى مارشال أن فرص استقلال التبت أو الأويغور في شينجيانغ ضعيفة للغاية، وإن كانت الاضطرابات في هاتين المنطقتين مرشحة للاستمرار.

(3) التنافس مع الولايات المتحدة

يناقش مارشال في هذا الجزء الانتقادات الغربية المتكررة للنظام السياسي الصيني، خاصة ما يتعلق بغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويشير إلى فرضية شائعة مفادها أن تطبيق الديمقراطية الكاملة قد يهدد وحدة الصين، عبر تصاعد التوترات بين المناطق الريفية والحضرية أو عبر مطالب الانفصال في المناطق الطرفية.

لكن مارشال يلفت إلى أن الثقافة السياسية الصينية تختلف عن نظيرتها الغربية؛ فالفكر الصيني يمنح الأولوية للجماعة والأسرة الممتدة على حساب الفرد.

ويختصر العلاقة غير المكتوبة بين الحزب الحاكم والشعب في معادلة بسيطة: “سنحسن مستوى حياتكم… مقابل الطاعة السياسية”.

ويرى أن استمرار هذا العقد مرتبط أساسًا بنمو الاقتصاد. فإذا توقف النمو أو تراجع، فقد تتعرض هذه المعادلة للاهتزاز.

ورغم قوتها الاقتصادية، تواجه الصين تحديات داخلية كبيرة، من بينها توفير الغذاء لسكانها، في ظل تعرض أكثر من 40% من الأراضي الزراعية للتلوث أو تدهور التربة.

كما تواجه معضلة أخرى: فمواصلة التصنيع ورفع مستوى المعيشة قد تأتي على حساب الأمن الغذائي.

أما خارجيًا، فتواجه الصين تحدي تأمين الموارد الطبيعية اللازمة لاقتصادها الصناعي، إضافة إلى مخاطر الحصار البحري في حال اندلاع صراع مع قوة كبرى.

ومن هنا يفسر مارشال سعي الصين إلى تطوير قوتها البحرية. فقد كانت الصين تاريخيًا من رواد الملاحة البحرية، خاصة في القرن الخامس عشر عندما جابت أساطيلها المحيط الهندي، ووصلت إحدى بعثاتها إلى سواحل كينيا قبل أكثر من خمسة قرون.

ويخلص مارشال إلى أن صعود القوة البحرية الصينية يمثل التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية في شرق آسيا، متوقعًا أن تحتاج الصين إلى نحو 30 عامًا لبناء قوة بحرية قادرة على منافسة الولايات المتحدة.

وفي انتظار ذلك، تطور الصين أنظمة صاروخية مضادة للسفن، إلى جانب برنامج فضائي متقدم يتيح لها مراقبة التحركات العسكرية الأمريكية.

كما يشير مارشال إلى قضيتين محوريتين في الصراع الجيوسياسي في المنطقة: قضية تايوان، والنزاع على بحر الصين الجنوبي، وهما ملفان يستحقان معالجة أكثر تفصيلًا.

Exit mobile version