د.رفعت جبر: ثورة في تشخيص الأورام.. توظيف علم السكريات والذكاء الاصطناعي لفك شفرات السرطان

عضو المجلس الأعلى للثقافة _ رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

في عالم علم الأورام المعاصر، لم يعد السرطان يُفهم فقط باعتباره خللًا جينيًا متراكمًا، بل بوصفه منظومة حيوية معقدة تتواصل فيها الخلايا الورمية مع جسم الإنسان عبر شبكة شديدة التعقيد من الإشارات الكيميائية والبيولوجية.

وفي قلب هذه المنظومة تبرز البصمات السكرية الدموية (Hematologic Glyco-signatures)، وهي أنماط مميزة من ارتباط السكريات بالبروتينات، أو ما يُعرف بالتعديل السكري للبروتينات، بما في ذلك الأجسام المضادة والخلايا المناعية.

وتثير هذه البصمات اهتمام الباحثين باعتبارها مؤشرات حيوية محتملة لفهم الأورام شديدة العدوانية، ومن بينها سرطان الثدي ثلاثي السلبية (TNBC)، الذي يُعد من الأنواع الأكثر تحديًا من حيث خيارات العلاج وخطر عودة المرض.

ولا تقتصر أهمية هذه البصمات على قياس وجود تغيرات في الخلايا السرطانية، إذ يمكن أن تعكس التفاعلات الديناميكية بين الورم والجسم المضيف، بما في ذلك التغيرات المرتبطة بالاستجابة المناعية والالتهاب وانتشار الخلايا السرطانية.

كما يمكن دراسة هذه التغيرات من خلال عينات الدم، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير أدوات تشخيصية ومتابعة أقل تدخلًا مقارنة ببعض الإجراءات التقليدية، إلا أن القيمة السريرية لهذه المؤشرات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والتحقق قبل اعتمادها على نطاق واسع في الممارسة الطبية.

الآليات البيولوجية ومنصات التحليل الحديثة

تعتمد دراسة البصمات السكرية على رصد التغيرات في البنية الكيميائية لسلاسل السكريات المرتبطة بالبروتينات والخلايا المناعية في الدم.

وفي بعض الحالات المرضية، يمكن أن تتغير أنماط التعديل السكري نتيجة اضطراب نشاط مجموعة من الإنزيمات والمسارات الأيضية، بما قد يؤثر في طريقة تفاعل الخلايا المناعية مع الخلايا الورمية والبيئة المحيطة بالورم.

ومن بين التغيرات التي تحظى باهتمام الباحثين زيادة تفرع سلاسل السكريات أو تغير مستويات بعض التعديلات السكرية، ومنها الارتباط بحمض السياليك. ويمكن لهذه التغيرات أن تؤثر في التفاعلات بين الخلايا السرطانية والجهاز المناعي.

ولفك تعقيدات هذه البصمات، يعتمد الباحثون على مجموعة من التقنيات المتقدمة في علم السكريات (Glycomics)، من أبرزها:

  1. مطيافية الكتلة عالية الدقة (High-Resolution Mass Spectrometry): لتحديد الكتل الجزيئية وتحليل البنى والتركيبات السكرية المختلفة.
  2. مصفوفات اللكتين الدقيقة (Lectin Microarrays): لدراسة أنماط ارتباط اللكتينات بالسكريات والتعرف على التغيرات في التراكيب السكرية.
  3. تقنيات التحليل الطيفي متعددة الأبعاد: للحصول على معلومات كمية ونوعية أكثر تفصيلًا حول التغيرات الجزيئية المعقدة.

سباق عالمي لتطوير علم السكريات السريري

يشهد مجال علم السكريات السريري اهتمامًا متزايدًا في مراكز بحثية حول العالم، مع توجه الباحثين إلى دراسة إمكانية استخدام التغيرات السكرية في البروتينات والمؤشرات المناعية لفهم الأورام وتحسين تصنيف المرضى والتنبؤ باستجابتهم للعلاجات المختلفة.

وتتضمن الأبحاث الدولية دراسات تستخدم عينات الدم والخزعات السائلة لتحليل البروتينات المناعية، مثل الأجسام المضادة من نوع IgG، ودراسة أنماط التعديل السكري المرتبطة بالأمراض المختلفة.

كما تتوسع الأبحاث في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة والصين واليابان في استخدام تقنيات مطيافية الكتلة والتحليل الطيفي والبيانات الحيوية لدراسة المؤشرات السكرية المرتبطة بالسرطان.

ومع ذلك، فإن الانتقال من النتائج البحثية والمخبرية إلى اختبار سريري واسع النطاق يتطلب دراسات كبيرة متعددة المراكز للتحقق من دقة هذه المؤشرات وقدرتها على التنبؤ بالمرض والاستجابة للعلاج مقارنة بالطرق التشخيصية المعتمدة حاليًا.

الذكاء الاصطناعي يفك تعقيدات علم السكريات

تتميز جزيئات السكريات بتنوع بنيوي كبير وتعقيد كيميائي يجعل تحليل البيانات الناتجة عن دراستها مهمة شديدة الصعوبة.

وهنا يظهر الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي، التي يمكن استخدامها لتحليل كميات ضخمة من البيانات الناتجة عن مطيافية الكتلة والتحليل الطيفي، والبحث عن أنماط دقيقة قد يصعب اكتشافها بالتحليل التقليدي.

وتبدأ العملية بجمع عينات بيولوجية، مثل عينات الدم، ثم تحليل مكوناتها باستخدام تقنيات متخصصة لإنتاج بيانات جزيئية واسعة النطاق.

بعد ذلك، يمكن إدخال هذه البيانات في خوارزميات التعلم الآلي والشبكات العصبية بهدف التعرف على الأنماط المرتبطة بحالات مرضية معينة.

ومن الناحية البحثية، يمكن أن يدعم هذا التكامل ثلاثة مسارات رئيسية:

أولًا: الكشف المبكر

دراسة ما إذا كانت البصمات السكرية تستطيع المساعدة في اكتشاف تغيرات مرتبطة بالسرطان في مراحل مبكرة، قبل ظهور أعراض واضحة أو وصول المرض إلى مراحل متقدمة.

ثانيًا: التنبؤ بالاستجابة للعلاج

بحث إمكانية استخدام الأنماط السكرية، إلى جانب المؤشرات الجينية والبروتينية وغيرها، للتنبؤ باحتمالات استجابة بعض المرضى للعلاجات المناعية أو العلاجات الموجهة.

ثالثًا: تطوير الطب الدقيق

يمكن أن تساعد معرفة التغيرات الجزيئية المرتبطة بالورم في تحديد أهداف علاجية محتملة، بما يسمح مستقبلًا بتطوير استراتيجيات علاجية أكثر تخصيصًا وفق الخصائص البيولوجية لكل ورم.

لماذا يمثل الدم مصدرًا مهمًا للمعلومات؟

تتمثل إحدى أهم مزايا دراسة المؤشرات الحيوية الدموية في إمكانية الحصول على المعلومات الجزيئية من خلال عينة دم، بدلًا من الاعتماد الكامل على عينات الأنسجة.

وتُعرف هذه المقاربة في بعض السياقات باسم الخزعة السائلة (Liquid Biopsy)، وهي مجال بحثي نشط يهدف إلى الحصول على معلومات عن الأورام من مكونات الدم.

لكن استخدام البصمات السكرية في هذا السياق لا يعني تلقائيًا أنها أصبحت بديلًا عن الخزعات النسيجية أو الفحوص التشخيصية التقليدية؛ إذ لا تزال هناك حاجة إلى إثبات حساسيتها ودقتها وموثوقيتها في مجموعات كبيرة من المرضى.

من الأنماط المعقدة إلى الطب الدقيق

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم قيمة إضافية في التعامل مع البيانات السكرية المعقدة من خلال:

التعرف على الأنماط:
استخلاص الأنماط الجزيئية المتكررة من كميات كبيرة من البيانات وربطها بخصائص مرضية محددة.

التنبؤ بمسار المرض:
دراسة العلاقة المحتملة بين البصمات السكرية ومؤشرات مثل احتمالات الانتكاس أو الاستجابة للعلاج.

دعم الطب الدقيق:
دمج المعلومات السكرية مع البيانات الجينية والبروتينية والسريرية بهدف تكوين صورة أكثر شمولًا عن الورم واختيار الاستراتيجية العلاجية الأنسب.

آفاق مستقبلية واعدة

يمثل علم السكريات أحد المجالات البحثية التي يمكن أن تسهم في توسيع فهم العلماء للعلاقة المعقدة بين الأورام والجهاز المناعي والبيئة الحيوية المحيطة بالسرطان.

ويمنح دمج هذا المجال مع الذكاء الاصطناعي الباحثين قدرة أكبر على تحليل بيانات جزيئية بالغة التعقيد، وربطها بالخصائص البيولوجية للمرض.

وفي حالة سرطان الثدي، وخاصة الأنواع الأكثر عدوانية مثل سرطان الثدي ثلاثي السلبية، قد تساهم هذه الأبحاث مستقبلًا في تطوير مؤشرات حيوية تساعد على تشخيص المرض ومتابعته وتصنيف المرضى بصورة أكثر دقة.

لكن الطريق من «البصمة السكرية» إلى الاختبار السريري المعتمد لا يزال يتطلب المزيد من الأبحاث والتحقق المستقل والتجارب السريرية واسعة النطاق.

وبينما تتطور تقنيات علم السكريات والذكاء الاصطناعي بسرعة، فإن الأمل يتمثل في الوصول إلى أدوات طبية قادرة على قراءة التغيرات الجزيئية الدقيقة في جسم الإنسان، وتقديم معلومات تساعد الأطباء على اكتشاف المرض في وقت أبكر، وفهم سلوكه بصورة أفضل، وتخصيص العلاج وفق الخصائص البيولوجية لكل مريض.

Exit mobile version