د.رفعت جبر: أخطار مقاومة المضادات الحيوية بيئيا على صحة الإنسان
رئيس قسم التقنية الحيوية - كلية العلوم جامعة القاهرة
تُظهر الأدلة العلمية لتقرير مبادرات معالجة مقاومة مضادات الميكروبات في البيئة والصادر عن مركز مكافحة الأمراض وانتشارها (Centers for Disease Control and Prevention) CDC مؤخرا، أن آثار المضادات الحيوية ومضادات الفطريات والجراثيم المقاومة لها والجينات التي تسبب سمات المقاومة موجودة، ويمكن أن تنتشر في المجاري المائية والتربة.
ومع ذلك، لا يفهم العلماء تماما مخاطر المقاومة في البيئة على صحة الإنسان.
كما أن قياس العلاقة بين الجراثيم والجينات المقاومة، وبقايا الأدوية (سواء كانت كميات صغيرة من بقايا الأدوية أو قطع الأدوية التي لا يمتصها الجسم بالكامل)، والبيئة وصحة الإنسان معقدة وغير كاملة.
ولذلك يقوم مركز السيطرة على الأمراض وشركاؤه بإجراء أبحاث مبتكرة لفهم انتشار المقاومة في البيئة وتأثيرها على صحة الإنسان بشكل أفضل.
وتعرف “البقايا”: على أنها أي مركب في المنتجات الصالحة للأكل ينتج عن استخدام دواء في حيوان ينتج الغذاء.
وهذا يشمل الدواء نفسه، ومستقلباته، والمواد الأخرى التي تتشكل في الطعام أو عليه بسبب استخدام الدواء.
ومن المعروف أن نشاط ما، يمكن أن يؤدي إلى تلويث البيئة (الماء والتربة) بالمضادات الحيوية ومضادات الفطريات، والتي يمكن أن تسرع من تطور المقاومة وانتشارها، وذلك عن طريق:
- فضلات الإنسان والحيوان
- -استخدام المضادات الحيوية ومضادات الفطريات كمبيدات حشرية للنباتات أو المحاصيل
- مخلفات تصنيع الأدوية
ولا جدال أن مقاومة المضادات الحيوية آخذة في الارتفاع إلى مستويات خطيرة عالميا، وثمة آليات جديدة للمقاومة آخذة في الظهور والانتشار على مستوى العالم وهي تهدد قدرتنا على علاج الأمراض المعدية الشائعة.
ويوجد قائمة متزايدة من عدوى الالتهابات، مثل الالتهاب الرئوي والسل وتسمم الدم والسيلان التي أصبح علاجها أصعب، بل مستحيل أحيانا، بسبب تدني نجاعة المضادات الحيوية.
وتزداد ظهور مقاومة المضادات الحيوية وانتشارها في الحالات التي يتسنى فيها شراء تلك المضادات من دون وصفة طبية لأغراض الاستعمال البشري أو الحيواني.
ويتضح ذلك أكثر في البلدان التي لا تطبق مبادئ توجيهية معيارية في مجال العلاج، حيث أن العاملين الصحيين والأطباء البيطريين غالبا ما يغالون في وصف المضادات الحيوية التي يفرط الجمهور في استعمالها.
وهنالك العديد من الطرق لانتشار الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية / مضادات الفطريات في البيئة، ومن أهمها:
نفايات الإنسان
يمكن أن تحمل فضلات البراز آثارا من المضادات الحيوية، ومضادات الفطريات، والجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية المستهلكة سابقا.
ويمكن أن تساهم هذه النفايات والمياه العادمة في تطوير وانتشار الجراثيم المقاومة لمضادات الميكروبات في البيئة، وربما يكون لها تأثير سلبي على صحة الإنسان.
وعلى الرغم من أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي تعمل على تقليل الملوثات في مياه الصرف الصحي قبل تصريف المياه المعالجة في المجاري المائية.
ومع ذلك، فإن بعض بقايا المضادات الحيوية ومضادات الفطريات والجراثيم والجينات المقاومة يمكن أن تنجو من العلاج لأن أنظمة معالجة مياه الصرف الصحي ليست مصممة خصيصا لقتلها أو إزالتها.
وقد توصلت الدراسات إلى مستويات قابلة للقياس من البكتيريا المقاومة في المياه السطحية (الأنهار والمياه الساحلية) بسبب تسرب مياه الصرف الصحي أو فيضانها أو إطلاق مياه الصرف الصحي المعالجة أو غير المعالجة.
وقد تسبب ذلك في مرض بعض الأشخاص الذين تعرضوا لهذه الجراثيم من خلال المياه الملوثة.
هذا ويمثل وجود الجراثيم المقاومة للمضادات الميكروبية في النفايات البشرية تحديا خاصا لمياه الصرف الصحي من مرافق الرعاية الصحية للمرضى الداخليين مثل المستشفيات.
يمكن للمرضى في مرافق الرعاية الصحية التخلص من بعض الجراثيم المميتة من الالتهابات المقاومة وعادة ما يتم وصف المضادات الحيوية ومضادات الفطريات.
ومع الأسف، تختلف أنظمة المياه والصرف الصحي، ودرجة منعها أو انتشارها المقاومة، اختلافا كبيرا في جميع أنحاء العالم وبين المجتمعات.
حيث تواجه العديد من البلدان تحديات في توفير الصرف الصحي الملائم والقدرة على التخلص من النفايات البشرية بأمان والحفاظ على ظروف النظافة.
وعلى الصعيد العالمي، يتم تصريف معظم النفايات البشرية مباشرة في البيئة دون معالجة. وهذا يشمل التغوط في العراء والتخلص من النفايات غير المعالجة في المجاري المائية.
إن التقدم في أنظمة الصرف الصحي وتحسين استخدام المضادات الحيوية ومضادات الفطريات سيساعد على إبطاء تطور المقاومة.
نفايات الحيوانات
تُعطى المضادات الحيوية ومضادات الفطريات أحيانا لحيوانات الطعام (الماشية والدواجن) لعلاج الأمراض والسيطرة عليها والوقاية منها، ولذلك يمكن أن يحمل روث الحيوانات المنتجة للأغذية المعالجة بالمضادات الحيوية ومضادات الفطريات بقايا الأدوية والجراثيم المقاومة.
هذا يمكن أن يلوث التربة المحيطة ومصادر المياه القريبة. غالبا ما تستخدم النفايات الحيوانية كسماد في الأراضي الزراعية للمساعدة في نمو النبات.
في حين أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث ، فإن استخدام روث الحيوانات غير المعالج أو غير السماد الذي يحتوي على بقايا أو جراثيم مقاومة كسماد يمكن أن يساهم في تطوير وانتشار الجراثيم المقاومة عبر البيئة.
مبيدات
يمكن أن تصيب الأمراض المختلفة النباتات والمحاصيل (مثل القمح والبرتقال والذرة)، وقد يكون من الصعب السيطرة على هذه الأمراض وقد تكون ضارة للغاية لأنها يمكن أن تؤثر على دخل المزرعة والإمدادات الغذائية.
ولذلك يتم استخدام المضادات الحيوية ومضادات الفطريات (مبيدات الفطريات) أحيانا كمبيدات حشرية لإدارة أمراض النبات والمحاصيل.
ومع ذلك، فإن استخدام المضادات الحيوية ومبيدات الفطريات في الزراعة يمكن أن يساهم في نشوء المقاومة والإضرار بالبيئة عن طريق تلويث التربة والمياه.
وعلى سبيل المثال، يمكن لمياه الأمطار ومياه الري من الأراضي الزراعية أن تلوث المسطحات المائية المجاورة بالجراثيم المقاومة ومخلفات المضادات الحيوية أو الفطريات.
وهذا التلوث بدوره، يمكن أن يؤثر على صحة الإنسان عندما تكون مبيدات الآفات هي نفسها أو ترتبط ارتباطا وثيقا بالمضادات الحيوية ومضادات الفطريات المستخدمة في الطب البشري.
على سبيل المثال، يعتبر التريازول (صنف من المركبات العضوية خماسية الحلقة غير المتجانسة وغير المشبعة، والتي تحوي في بنيتها على ذرة نتروجين واحدة بالإضافة إلى ذرة أخرى على الأقل من الذرات غير المتجانسة المعروفة وهي النتروجين أو الكبريت أو الأكسجين)، أكثر مبيدات الفطريات استخداما على النباتات والمحاصيل، ولكنه يشبه أيضا الأدوية المضادة للفطريات البشرية المهمة المستخدمة لمنع أو علاج الالتهابات الفطرية التي تسببها الجراثيم مثل فطر الأسبرجلس، وهو فطر ينتمي لجنس الرشاشيات ويعتبر من أكثر أنواع الرشاشيات تسببا في حدوث أمراض عند الأشخاص ذوي المناعة المنخفضة.
كما أنه فطر رمي يلعب دورا أساسيا في إعادة تدوير الكربون والنيتروجين في البيئة.
والمرضى الذين يعانون من عدوى أ. فوميغاتوس المقاومة للأزول أكثر عرضة للوفاة بنسبة تصل إلى 33٪ مقارنة بالمرضى المصابين بالعدوى التي يمكن علاجها بالآزولات.
وقد زاد استخدام مبيدات الفطريات تريازول في البيئة أكثر من أربع مرات من عام 2006 إلى عام 2016 في الولايات المتحدة وحدها.
ومع ذلك يمكن أن يساعد الاستخدام المناسب للأزولات في الطب البشري والزراعة في مكافحة المقاومة.
تربية الأحياء المائية
تستخدم المضادات الحيوية ومضادات الفطريات في جميع أنحاء العالم في تربية الأحياء المائية (تربية الأسماك والمأكولات البحرية) للسيطرة على الأمراض. ويمكن أن يؤدي استخدامها إلى تلويث البيئة المائية المحلية بهذه الأدوية والمخلفات.
ومع الإنتشار الواسع لاستخدام المضادات الحيوية ومضادات الفطريات فى تربية الأحياء المائية، إلا أنه مازالت هناك بيانات محدودة عن تأثيراتها على صحة الإنسان.
مياه الشرب
كما نعلم جمعيا أن المياه الصالحة للشرب هي مياه نظيفة، وخالية من الجراثيم والمواد الكيميائية، فإن حوالي 780 مليون شخص حول العالم فى عام 2017م، لم يكن لدىهم إمكانية الوصول إلى خدمات المياه الصالحة للشرب.
بالإضافة إلى ذلك، يفتقر أكثر من ملياري شخص إلى إمكانية الوصول إلى المرافق الصحية الأساسية (أكثر من 25٪ من سكان العالم).
وتقدر منظمة الصحة العالمية (WHO) أنه إذا كان لدى الجميع إمكانية الوصول إلى مياه الشرب المحسنة والصرف الصحي، فإن ذلك سوف يؤدى تلقائيا إلى تقليل انتشار الجراثيم المقاومة في البيئة وبين الناس عموما.
فضلا عن تقليل العدوى المنقولة بالمياه والحاجة إلى المضادات الحيوية ومضادات الفطريات، فإن أمراض الإسهال التي يتم علاجها بالمضادات الحيوية ستنخفض بنسبة 60٪.
والحقيقة أنه علينا أن نعجل في اتخاذ الإجراءات لإننا مقدمون على عصر ما بعد المضادات الحيوية الذي يمكن أن تصبح فيه عدوى الالتهابات الشائعة والإصابات الطفيفة قاتلة مرة أخري.
حيث ما زالت قدرتنا على علاج حالات العدوى الشائعة مهددة بظهور وانتشار المُمرضات المقاوِمة للأدوية التي اكتسبت آليات مقاومة جديدة تسفر عن ظهور مقاومة مضادات الميكروبات.
ومما يثير الذعر على وجه الخصوص هو انتشار “الجراثيم المستعصية” حيث الانتشار العالمي السريع للبكتيريا المقاومة لعدة أدوية أو لجميعها والمسببة لحالات عدوى يتعذر علاجها بالأدوية المضادة للميكروبات المتاحة حاليا، مثل المضادات الحيوية.
ومن المؤكد حاليا، أنه لا توجد أي مضادات جديدة للميكروبات قيد التطوير السريري.
ويتواصل بشكل متزايد فقدان المضادات الحيوية لمفعولها في ظل انتشار مقاومة الأدوية على الصعيد العالمي، مما يسفر عن زيادة صعوبة علاج حالات العدوى والوفاة.
وذلك ما دفع منظمة الصحة العالمية في عام 2019م، إلى تحديد حوالى 32 مضادا حيويا قيد التطوير السريري تتطابق مع قائمة المنظمة بالمُمرضات ذات الأولوية، منها ستة مضادات فقط صُنِّفت على أنها مبتكرة.
ومع ذلك، تظل صعوبة الحصول على مضادات الميكروبات العالية الجودة مشكلة رئيسية.
وثمة حاجة ماسة إلى إيجاد مضادات جديدة للجراثيم، لعلاج حالات العدوى بالبكتريا سالبة الجرام والمقاومة للكاربابينيم (هو المضاد الحيوي البيتالاكتامي الأمثل لعلاج عدوي الإنتيروبكتر لأنه مقاوم للتحلل بإنزيم البيتالاكتاميز الذي تنتجه الإنتيروبكتر)، على غرار ما هو محدد في قائمة المنظمة بالمُمرضات ذات الأولوية.
ولكن إن لم يغير الناس طريقة استعمالهم للمضادات الحيوية الآن، فإن مصير هذه المضادات الحيوية الجديدة سيكون نفس مصير المضادات الحيوية الموجودة حاليا، وستفقد بالتالي مفعولها.
وتتكبّد الاقتصادات الوطنية ونظمها الصحية تكاليف باهظة بسبب مقاومة مضادات الميكروبات التي تؤثر على إنتاجية المرضى أو القائمين على رعايتهم بفعل إطالة مدة مكوث المرضى في المستشفيات وضرورة تزويدهم برعاية أعلى تكلفة وأكثر تركيزا.
وسيزيد عدد من يفشل علاجهم أو يفارقون الحياة بسبب حالات العدوى ما لم تُوفّر أدوات فعالة للوقاية من حالات العدوى المقاومة للأدوية وعلاجها بالطرق المناسبة.
ويؤثر نقص إمدادات المضادات الحيوية على البلدان من جميع مستويات التنمية، ولا سيما في نظم الرعاية الصحية المنخفضة.
كما أن الإجراءات الطبية، مثل العمليات الجراحية، بما فيها العمليات القيصرية أو استبدال مفصل الورك والعلاج الكيميائي للسرطان وزرع الأعضاء، ستصبح أكثر خطورة.
وبناء على أبحاث مركز مكافحة الأمراض وانتشارها (CDC)، فإنه يسعى جاهدا لتقليل عدد الإصابات والوفيات من مسببات الأمراض التي تم تحديدها على أنها تهديدات مقاومة للمضادات الحيوية.
وتهدف استراتيجيته بحلول عام 2025م إلى تقليل الإصابات المقاومة للمضادات الحيوية المرتبطة بالرعاية الصحية، بنسبة 20%، والالتهابات المقاومة للمضادات الحيوية المكتسبة من المجتمع بنسبة 10%.
وللحديث بقية لإلقاء الضوء على هذه الإجراءات في المقال القادم.





